مقالات وآراء

وليد عبدالحي يكتب: ترامب وروسيا مرة أخرى.. اسئلة ومحاولات اجابة

تنطوي العلاقة الروسية الامريكية في فترتي حكم ترامب(الاولى والثانية) على عدد من الالغاز التي لم تسعفني نظريات العلاقات الدولية في تفكيكها ، وقد تلامس بعض هذه النظريات بعض جوانب هذه العلاقة الملتبسة لكنها لا تبلغ درجة الكشف الشافي، وتتراوح هذه التفسيرات ببين ثلاثة نظريات هي :
1- التفسير الآيديولوجي القائم على المنظور الويستفالي البراغماتي(وهو ما يتضح في شعار MAGA)
2- التفسير بان ترامب “عميل لروسيا”(Agent)، اي تم تجنيده منذ زمن .
3- التفسير بان ترامب “ذخر لروسيا”(Asset) اي شخصية نافذة يتم استغلال نفوذها عبر قنوات المنفعة المتبادلة.
وعند مناقشة اي من النظريات الثلاث السابقة يجب التوقف عند الأسئلة التالية:
أ‌- كل هيئات التحقيق الامريكية(13 جهة ) اثبتت ان روسيا تدخلت في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها ترامب على هيلاري كلينتون..وهنا نسأل: لماذا الانحياز الروسي لترامب؟ هل لأن بوتين يرى أن ترامب اهون الشرين مقارنة بهيلاري ؟ ام وراء الاكمة ما وراءها؟
ب‌- ان رصد سياسات ترامب تجاه حلفاء امريكا بخاصة في اوروبا كانت تلقى استحسانا لا لَبس فيه من بوتين ،فترامب ينتهج سياسة في اوكرانيا تقوم على الانسحاب التدريجي من الحرب الاوكرانية ولصالح روسيا..لماذا؟
ت‌- موقف ترامب من اعباء حلف الناتو وسعيه لتقليص التزامات امريكيا في الحلف ، موضع ترحيب من بوتين..لماذا؟
ث‌- استفز ترامب بتصريحاته واعماله اغلب دول العالم الا روسيا ..لماذا؟ فقد اطلق تصريحات انتقد فيها بريطانيا وفرنسا والمانيا وكندا ودول الخليج بل واحيانا اسرائيل، لكن السمة العامة لتصريحاته تجاه روسيا هي اقرب ” للتقريظ”..لماذا؟
ج‌- سخر ترامب من اغلب الزعماء الذين تحدث عنهم ، فقد سخر من ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي وزعماء ايطاليا والمانيا وكندا والدنمارك وايران والصين وموريتانيا وبوركينافاسو وغينيا بيساو واغلب الزعماء العرب ، لكن الوقار يحل على لغته واحاديثه عندما يكون الرئيس الروسي هو موضع “الحديث”..لماذا؟
تقول الدراسات الامنية أن القاعدة الذهبية في التحقيق هي ” فتش عن المستفيد”، ومن الواضح ان روسيا هي المستفيد من اغلب سياسات ترامب ، فحتى الازمة مع ايران عادت بالنفع الوفير على روسيا لانها رفعت اسعار مصادر الطاقة التي تبيعها، واغلاق مضيق هرمز ادى الى نفاذ تدريجي للمخزون الاحتياطي الطاقوي في اغلب دول العالم وهو ما جعل اوروبا تعيد التفكير في علاقاتها الطاقوية مع روسيا لانها شعرت بالعبء نتيجة الشح في سوق الطاقة والارتفاع المتلاحق في الاسعار.
من جانب آخر،من الضروري التوقف عند شخصية ترامب التي اصبحت واضحة تماما ، فهو شخص :
1- همه الاول والاخير الكسب الشخصي واغناء مخزونه النرجسي
2- الفساد الاخلاقي الذي لم يعد خفيا على احد منذ انفجرت ملفات ابستين
3- وهم العظمة الذي يرافقه دون ان يعنيه فشله في ترتيب الوضع الداخلي في بلاده ،وهو ما انتهى الى تراجع شعبيته بشكل واضح.
4- هو الرئيس الامريكي الوحيد الذي اختفت من شلال تصريحاته عبارة ” الديمقراطية وحقوق الانسان”، وهي الشعار الذي كان كل رئيس امريكي سابق يحاول ان يجعل من هذين البعدين نافذة الاطلال على روسيا والصين، فلماذا اخفاهما ترامب؟
5- الكذب الذي وصل (حسب ابرز الصحف الامريكية وهيئات التحقق الامريكية) الى 30 الف و خمسمائة وثلاث وسبعين كذبة في اربع سنوات( اي 21 كذبة يوميا).
وهنا نسأل : ألا تغوي هذه الشخصية الهشة بهذه المواصفات اي جهاز استخبارات على تجنيد صاحبها؟ فترامب صيد سمين ويسير، ومن حق الباحث ان لا يقفز عن هذه المعطيات ولكن بحذر، فإذا ربطنا هذه الشخصية بوجود شخصية استخبارية محترفة في الجهة المقابلة مثل فلاديمير بوتين تزداد الفرضية وجاهة
ويبقى بعد ذلك سؤال سبق وان شرحته باسهاب ولكن لا يجوز اغفاله هنا، ويتعلق السؤال بالملاحظات التالية:
1- اول من فضح علاقات ترامب بابستين (وهو ما ثبتت صحته) هو Craig Unger مؤلف كتاب مهم حول ترامب وهو كتاب American Kompromat وهو يضم 352 صفحة (صدر قبل 5 سنوات) وقبل انفجار ملفات ابستين ، ويوثق الكتاب اتهاماته لترامب استنادا لضابط مخابرات روسي هو Yuri Shvets ، ثم يكشف علاقات ترامب بزوجته الاولى التي كان والدها يعمل مع المخابرات التشيكية(زمن الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية)…الخ. كما يتحدث الكتاب عن تفاصيل العلاقات المالية الروسية مع ترامب، فهل من العقلانية غض الطرف عن هذه الوقائع والالغاز؟
2- ما الذي يدفع مسؤولا روسياً في المديرية السادسة من الكي جي بي(KGB) وهو Alnur Mussayev ان يصرح بأن الوحدة جندت ترامب بل وحدد اسم ترامب الحركي وهو ” Krasnov”؟ ومن الضروري التنبه الى ان موساييف هذا تولى بين 1997 و2001 رئاسة الاستخبارات الكازاخستانية, ثم اصبح رئيس لجنة الامن القومي الكازخستاني, فهو اذن شخص مسؤول من ناحية ، وفي اخطر الاجهزة ذات العلاقة من ناحية ثانية.
3- ما الذي يدفع ضابط الاستخبارات الخارجية Christopher Steele والذي اسس شركة
Orbis Business Intelligence
لكشف الفضائح الجنسية لترامب والتي رتب لها جهاز المخابرات الروسي؟
أخيرا، من العسير نفي اي من النظريات الثلاث التي اشرت لها في البداية، لكن ادعو الدول العربية الى التعامل مع ترامب في ضوء النظريات الثلاث…لا من خلال هدايا الطائرات والتبجيل والتهيب والطاعة العمياء .
ان العودة لقصه الضابط الامريكي الكبير في مكتب التحقيقات الفدرالي الامريكي Robert Hanseen الذي عمل جاسوسا للسوفييت من 1979- 2001(عمل لصالح الاتحاد السوفييتي ثم روسيا) تستحق التامل ، ومثله ضابط الاستخبارات الامريكية Aldrich Ames ..وغيرهم كثير..فامريكا ليست عصية على الاختراق…لكن الحذر في بناء النتائج يستوجب مزيدا من البحث “العلمي لا الغرائزي”..فقد نصل لنتائج ،ربما..

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى