توترات تاريخية تعصف بالعلاقات الثنائية بين وارسو وكييف في ظل التحديات الراهنة

تشهد العلاقات السياسية بين بولندا وأوكرانيا حالة من التجاذب الملحوظ بعد تصاعد حدة التوتر التاريخي، حيث يسعى الجانبان لإيجاد مخرج للأزمة الدبلوماسية الراهنة. عقد وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا اجتماعاً مع نظيره البولندي رادوسلاف سيكورسكي في مدينة وارسو يوم الجمعة الموافق 3 يوليو 2026. تهدف هذه المشاورات إلى احتواء التداعيات السياسية لملفات التاريخ القديم التي عادت للواجهة، وذلك عبر آليات أكاديمية تتجنب المساس بالتحالف الاستراتيجي القائم بين البلدين منذ اندلاع الصراع الروسي في فبراير 2022.
طرح الوزير الأوكراني أندريه سيبيغا عبر منصة إكس مقترحات تتضمن تشكيل لجان من مؤرخي الحرب العالمية الثانية وإشراك المؤسسات الدينية لتقريب وجهات النظر. التزم الوزير البولندي رادوسلاف سيكورسكي جانب الحذر في تصريحاته الصحفية، مؤكداً أن الدبلوماسية تتطلب الصمت أحياناً، مع التشديد على ضرورة احترام الحقائق التاريخية والسيادة المتبادلة. تؤكد هذه التطورات أن ملف التوترات التاريخية بين بولندا وأوكرانيا بات يتصدر الأجندة السياسية، خاصة مع تمسك كييف بتسميات وحداتها العسكرية، وهو ما تعتبره وارسو استفزازاً لمشاعرها الوطنية.
أبعاد الأزمة التاريخية والسياسية بين البلدين
تفاقمت الفجوة في وجهات النظر بين وارسو وكييف خلال شهر مايو الماضي، حين منح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقباً فخرياً لوحدة عسكرية يحمل اسم “أبطال جيش التمرد الأوكراني”. تعتبر وارسو هذه التسمية إشارة لمجازر فولينيا وغاليسيا الشرقية التي شهدت مقتل نحو 100 ألف بولندي بين عامي 1943 و1945. يرى الجانب الأوكراني في تلك التشكيلات رموزاً للنضال ضد الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، بينما ترفض وارسو ربط استقلال كييف بتمجيد قوى عسكرية اتهمتها بارتكاب عمليات عنف ممنهجة ضد المدنيين خلال فترات الحروب العالمية.
اتخذ الرئيس البولندي كارول نافروتسكي قراراً بسحب وسام “النسر الأبيض” من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبراً أن التكريم يتنافى مع تخليد ذكرى ضحايا المذابح. أثارت هذه الخطوة ردود فعل متبادلة، حيث أعاد الرئيس الأوكراني الوسام عبر البريد، وتبعه سياسيون آخرون. يؤكد رئيس وزراء بولندا دونالد توسك أن بلاده تدعم أمن كييف في مواجهة العدوان الروسي، لكنه يربط مسار انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي بضرورة الشفافية التاريخية، محذراً من أن استمرار التوترات التاريخية بين بولندا وأوكرانيا يضر بالمصالح المشتركة والسمعة الدولية للطرفين.
تتبنى وارسو موقفاً حازماً تجاه أي تعهدات مالية إضافية، إذ دعا رئيس وزراء بولندا دونالد توسك وفد بلاده المشارك في قمة حلف شمال الأطلسي ناتو إلى الحذر. تعتمد كييف بشكل جوهري على الدعم البولندي، حيث نقلت وارسو أكثر من 300 دبابة و600 مركبة مدرعة منذ عام 2022. تبلغ قيمة المساعدات العسكرية المقدمة حتى مارس 2025 قرابة 5 مليارات دولار، بما في ذلك طائرات ومروحيات هجومية. تدرك القيادات أن استمرار التوترات التاريخية بين بولندا وأوكرانيا قد يؤثر على سلاسل الإمداد العسكري واللوجستي عبر مركز جيشوف الحدودي، الذي يمر عبره نحو 80% من المساعدات الغربية الموجهة لكييف.
تستغل الجهات المناهضة استغلالاً سياسياً هذه الخلافات، حيث كشفت استطلاعات رأي أجرتها وكالة إس دبليو ريسيرش في يونيو الماضي أن 51.9% من البولنديين باتوا ينظرون بسلبية إلى كييف. تتداخل الأبعاد الاقتصادية مع السياسية، خاصة في ظل تزايد الدعاية الروسية التي تستهدف إضعاف التحالف القائم. أدت التوترات التاريخية بين بولندا وأوكرانيا إلى تعليق وارسو شحنات أسلحة إضافية من مخزونها، مع تلويح بفرض إجراءات بيروقراطية وجمركية قد تشل الحركة اللوجستية، وتؤثر على تمويل خدمات الاتصالات الفضائية ستارلينك التي تغطي بولندا تكاليف آلاف المحطات منها، مما يضع كييف أمام تحديات وجودية تتطلب حلاً سياسياً عاجلاً ينهي هذه القطيعة.







