مصر

محمد سيف الدولة يدعو جيله إلى كتابة شهاداته قبل فوات الأوان

دعا المفكر والكاتب محمد سيف الدولة أبناء جيله إلى الإسراع في كتابة شهاداتهم السياسية والفكرية، معتبرًا أن هذا الجيل، الذي خاض معارك وطنية وفكرية ممتدة على مدار عقود، مطالب اليوم بإجراء كشف حساب صريح قبل أن يغادر الحياة أو يعجز عن الكلام والكتابة.

وقال سيف الدولة إن دعوته تأتي في ظل تراجع القدرة على العطاء لدى كثيرين من أبناء هذا الجيل، مع تقدم العمر ووفاة بعضهم، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة السياسية، التي حدّت من أي دور عام يمكن أن يقوموا به في المرحلة الراهنة.

وأكد أن الهدف من كتابة هذه الشهادات ليس التمجيد أو استعادة الماضي، بل تسجيل ما جرى بصدق، والإجابة عن سؤال أساسي: لماذا لم تنجح المشروعات الكبرى التي تبناها جيل كامل من الوطنيين والقوميين والماركسيين والليبراليين والإسلاميين؟

وأوضح أن هذا الجيل انطلق من مجموعة من الثوابت الوطنية والقومية، في مقدمتها اعتبار إسرائيل عدوًا لمصر وللأمة العربية كلها، لا لفلسطين وحدها، ورفض اتفاقية كامب ديفيد بوصفها استسلامًا للإدارة الأمريكية، معتبرًا أن مصر استعادت سيناء لكنها خسرت دورها واستقلال قرارها.

وأشار إلى أن من بين هذه الثوابت أيضًا الإيمان بأن مصر جزء من الأمة العربية، وأن فلسطين كلها أرض عربية، وأن الوحدة العربية كانت حلمًا مشتركًا وشرطًا لحماية الاستقلال الوطني، إلى جانب اعتبار الولايات المتحدة الامريكية امتدادًا للاستعمار الغربي والداعم الأول لبقاء إسرائيل.

واعتبر سيف الدولة أن ما جرى بعد حرب أكتوبر 1973 في عهد الرئيس الراحل أنور السادات كان انقلابًا على مشروع الاستقلال الوطني والتحرر والانحياز الاجتماعي الذي ارتبط بثورة يوليو 1952، مشيرًا إلى أن غياب الديمقراطية والحريات مكّن الرئيس التالي من استخدام أدوات الحكم نفسها للعصف بمنجزات المرحلة السابقة.

وأضاف أن غياب الديمقراطية، رغم الطابع الوطني للنظام في مرحلة سابقة، أتاح تركيز السلطة في يد رئيس الدولة ومؤسساتها، وهو ما سهّل لاحقًا تغيير الاتجاه السياسي والاجتماعي للبلاد بصورة جذرية.

وتحدث سيف الدولة عن ما وصفه بـ”كشف الحساب الختامي” للمشروعات السياسية الكبرى، قائلًا إن التيار الماركسي هُزم وتم تفكيك تنظيماته وتصفية كثير من المكتسبات الاجتماعية التي تحققت في مراحل سابقة.

كما رأى أن التيار الناصري والقومي، الذي حاول مواجهة ما اعتبره ردة السادات، انهزم هو الآخر، بعدما أصبحت مصر، وفق تعبيره، صديقًا مقربًا لإسرائيل، وتراجع حضور التيار بين الأجيال الجديدة في مصر والعالم العربي، وبقي في أغلبه مرتبطًا بأجيال تجاوزت الستين والسبعين من العمر.

وأشار إلى أن التيار الليبرالي، الذي تبنى مشروع الحريات والإصلاح السياسي والدستوري، تعرّض بدوره لضربة قاسية، معتبرًا أن مصر تعيش اليوم واحدة من أشد مراحل الاستبداد السياسي.

وتطرق كذلك إلى التيار الإسلامي، معتبرًا أن رحلته انتهت، رغم الزخم الكبير الذي عاشه، إلى وجود عشرات الآلاف من أبنائه في السجون، وملاحقات واسعة، وإقصاء شبه كامل من الحياة السياسية في مصر.

وشدد سيف الدولة على أن الاعتراف بفشل هذه المشروعات لا يعني نهاية المطاف، مؤكدًا أن الأمل يبقى قائمًا في الأجيال الجديدة، لكن هذا الأمل يحتاج إلى مراجعة جادة وصريحة لأسباب الفشل حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها.

وقال إن الوصول إلى أسباب الفشل لا يمكن أن يتم من دون معرفة الحكاية كاملة، معتبرًا أن من عاشوا التجربة هم وحدهم القادرون على روايتها، وأن كثيرًا منهم تقدم في العمر، وقد لا تتاح لهم فرصة طويلة لتسجيل شهاداتهم.

واختتم دعوته بالتأكيد على ضرورة أن يتفرغ أبناء هذا الجيل لكتابة شهاداتهم، حتى لا تضيع الجهود والتضحيات التي قُدمت على امتداد 40 أو 50 أو 60 عامًا، وحتى تصبح هذه التجارب مادة للتعلم أمام الأجيال المقبلة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى