ذاكرة التاريخ

الخديو إسماعيل.. كيف تحولت القاهرة في عهده إلى مدينة حديثة؟

شهدت القاهرة في عهد الخديو إسماعيل واحدة من أهم مراحل التحديث العمراني في تاريخها الحديث، بعدما أطلق مشروعات واسعة لتطوير الشوارع والميادين، وإنشاء أحياء جديدة، ومد شبكات المياه والإنارة، بما غيّر وجه العاصمة المصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ويُعد الخديو إسماعيل، نجل الوالي إبراهيم باشا وحفيد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، من أبرز حكام الأسرة العلوية الذين ارتبط اسمهم بمشروع عمراني واسع استهدف تحويل القاهرة إلى مدينة حديثة على الطراز الأوروبي، مع الحفاظ على موقعها كعاصمة سياسية وإدارية لمصر.

بدأت ملامح التطوير بإزالة تلال الأتربة التي كانت تحيط بالقاهرة، وهي الأعمال التي سبق أن شرع فيها محمد علي، ثم توسعت في عهد إسماعيل عبر تخطيط شوارع وميادين جديدة، من بينها شارع الفجالة الجديد، وشارع كلوت بك، وشارع محمد علي، وشارع عبد العزيز، وشارع عابدين.

كما أنشأ الخديو إسماعيل أحياء كاملة، أبرزها حي الإسماعيلية، والتوفيقية، وعابدين، وميدان الأوبرا، إلى جانب تنظيم مناطق الجزيرة والجيزة بعد إنشاء عدد من القصور الكبرى بها، فضلًا عن إنشاء حديقة النبات في الجيزة.

وكان لهذه المشروعات أثر واضح في توسيع المدينة وتجميلها، وفتح مجالات جديدة للعمران، وتحسين التهوية والظروف الصحية للسكان، إلى جانب رفع قيمة الأراضي والمباني وتنشيط حركة البناء داخل القاهرة.

ويُعد حي الإسماعيلية من أبرز الأحياء التي ارتبطت باسم الخديو إسماعيل، إذ سُمي باسمه لأنه كان صاحب قرار إنشائه. وكانت المنطقة قبل تطويرها أراضي خربة تضم كثبانًا من الأتربة وبركًا للمياه وأراضي سباخ، قبل أن يتم تخطيطها بشوارع وحارات مستقيمة، أغلبها متقاطع بزوايا قائمة.

وجرى دك شوارع الحي وحاراته بالحجر، وتنظيم الأرصفة على جانبيها، ومد أنابيب المياه في أرضها، وإقامة أعمدة المصابيح لإنارتها بغاز الاستصباح، حتى تحولت المنطقة إلى حي راقٍ سكنه الأمراء والأعيان.

وفي إطار اهتمامه بالثقافة والفنون، بنى الخديو إسماعيل مسرح الكوميدي ومسرح الأوبرا، كما أعاد تنسيق حديقة الأزبكية بشكل جمالي جعلها من أبرز متنزهات القاهرة في ذلك الوقت.

وشملت مشروعاته العمرانية إنشاء كوبري قصر النيل لربط الجزيرة بالقاهرة، حيث تولت تنفيذه شركة «فيف ليل» الفرنسية عام 1872 بتكلفة بلغت 108 آلاف جنيه، كما أنشئ كوبري البحر الأعمى، المعروف لاحقًا باسم كوبري الجلاء، لربط الجزيرة بالجيزة، ونفذته شركة إنجليزية بتكلفة بلغت 40 ألف جنيه في العام نفسه.

كما رُدمت بركة الرطلي، وأُنشئت مكانها شوارع مستقيمة ضمن خطة التوسع العمراني وتنظيم المدينة، في وقت اتجهت فيه الدولة إلى إعادة تشكيل القاهرة وفق رؤية تخطيطية أكثر انتظامًا.

ومن أبرز مشروعات الطرق في عهده إنشاء الطريق المعبد بين القاهرة والأهرام، المعروف حاليًا بشارع الهرم، حيث رُصف بالحجارة عام 1869 بمناسبة زيارة الإمبراطورة أوجيني إلى مصر لحضور احتفالات افتتاح قناة السويس.

واهتم الخديو إسماعيل كذلك بالبنية الأساسية داخل العاصمة، فمد أنابيب المياه في أحياء المدينة لتوزيع مياه النيل العذبة على البيوت، بعد أن كان السكان يعتمدون على السقائين في نقل المياه داخل القِرب.

كما عُني بتعميم أعمال الكنس والرش في شوارع القاهرة، وأدخل نظام الإنارة بغاز الاستصباح، وهو ما منح المدينة مظهرًا أكثر بهجة ليلًا، وساعد في الوقت نفسه على حفظ الأمن داخل الشوارع بعد حلول الظلام.

وكان إسماعيل من أوائل من اتجهوا إلى تخليد رموز الدولة الحديثة في الميادين العامة، إذ أمر بصنع تمثالين كبيرين، أحدهما لمحمد علي باشا ونُصب في الإسكندرية، والآخر لإبراهيم باشا، في إطار رؤية استهدفت إبراز رموز الأسرة العلوية وتاريخها السياسي والعسكري.

وبهذه المشروعات، ارتبط عهد الخديو إسماعيل بمرحلة فارقة في تاريخ القاهرة، إذ انتقلت العاصمة من مدينة تقليدية تحيط بها التلال والبرك والأراضي الخربة، إلى مدينة أكثر اتساعًا وتنظيمًا، تمهد لظهور ملامح القاهرة الحديثة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى