الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: أزمة العطش تهدد الملايين بتداعيات كارثية

يؤكد الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقريره السنوي الشامل لعام 2025 أن أزمة المياه باتت تشكل تهديداً وجودياً يطال ملايين المواطنين، حيث يوثق التقرير أبعاد الفجوة الحقوقية والتنموية المرتبطة بالوصول إلى مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي الملائمة. ويرصد التقرير بدقة أرقاماً مفزعة تستدعي تحركاً عاجلاً، إذ يحرم نحو 50 مليون شخص من الحصول على مياه صالحة للشرب، بينما يفتقر قرابة 154 مليون شخص إلى مرافق صرف صحي آمنة وسليمة، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على تدهور مؤشرات الكرامة الإنسانية والأمن الغذائي والصحة العامة في المنطقة.
يعتبر الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن هذه الإحصائيات تتجاوز في دلالاتها الأرقام الفنية لتصبح مرآة لسياسات مائية تتسم بالقصور، حيث يشدد التقرير على أن قضية المياه تتطلب نظرة شمولية تتجاوز البعد الهندسي للسدود والأنابيب. ويؤكد الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب العدالة التوزيعية، وسوء إدارة الموارد، وهيمنة المصالح الضيقة على حساب الحقوق الإنسانية الأساسية، فضلاً عن التباينات الصارخة في نصيب المدن والأرياف من الموارد المائية المتاحة، وهو ما يفاقم المعاناة في المناطق الأكثر هشاشة وتأثراً بالصراعات والاحتلالات والنزاعات المسلحة.
التغير المناخي والعدالة المائية المفقودة
يحلل الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تأثيرات التغير المناخي بوصفها عاملاً مضاعفاً للضغط على الموارد المائية المحدودة، موضحاً أن التداعيات لا تتركز بالتساوي، بل تتركز حدتها على الفئات الأكثر ضعفاً كالمزارعين الصغار والنساء واللاجئين. ويشير التقرير إلى أن غياب المياه الآمنة يحمل الأسر أعباء معيشية مضاعفة، ويؤدي إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي، مما يعمق أزمات الفقر والنزوح الداخلي، ويضع مستقبل التنمية في مهب الريح أمام موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة غير المسبوقة، مما يتطلب استراتيجيات تكيف وطنية وإقليمية أكثر مرونة.
يرى الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن المنطقة تعاني من خلل في موازين العدالة المناخية، حيث تقع على عاتق المجتمعات ذات القدرات التمويلية والتكنولوجية المحدودة مسؤولية مواجهة آثار مناخية قاسية رغم محدودية مساهمتها في الانبعاثات الكربونية العالمية. ويبرز التقرير كيف تتحول الموارد المائية في بؤر التوتر، مثل فلسطين واليمن وسورية والسودان ولبنان، إلى أدوات للضغط السياسي والعقاب الجماعي عبر تدمير البنية التحتية، مما يجعل الحق في السيادة على مصادر المياه جزءاً لا يتجزأ من الحق في الأمن والحماية من العنف الممنهج.
مخاطر تسليع المياه وتهميش المجتمعات
يوضح الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن التوجه نحو تسليع المياه وفتح الباب أمام المصالح الخاصة في إدارتها أدى إلى استبعاد المواطنين من عمليات صنع القرار الاستراتيجي. ويحذر التقرير من أن ربط الحصول على هذه الخدمة الأساسية بالقدرة على الدفع المادي يكرس عدم المساواة، ويفرغ الحق في المياه من محتواه الإنساني الجوهري، مما يتطلب تحولاً جذرياً نحو سياسات مائية شفافة وتشاركية تضع احتياجات الإنسان قبل اعتبارات الربح الاقتصادي، مع ضرورة تعزيز آليات المساءلة العامة لضمان توزيع عادل ومستدام للموارد المائية المتاحة للجميع.
يختتم التقرير بدعوة ملحة إلى تبني مقاربات حقوقية تحمي الموارد المائية من الاستنزاف والتلوث، وتؤكد أن المياه ليست مجرد سلعة قابلة للتداول، بل هي الركيزة الأولى للبقاء والمدخل الأساسي لأي مسار تنموي ناجح. ويشدد الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على أن الدفاع عن هذا الحق هو دفاع عن الحياة بحد ذاتها، مما يتوجب على الحكومات كافة وضع أولويات واضحة تستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة، وربط كافة المشاريع المائية بمعايير العدالة المناخية والسيادة الوطنية المطلقة، لضمان مستقبل أمن للأجيال القادمة بعيداً عن صراعات السيطرة المائية.







