تاريخ القضاء والوطنية يتجلى في سيرة شيخ القضاة عبدالعزيز باشا فهمي

يُعد عبد العزيز باشا فهمي علامة فارقة في تاريخ النضال الوطني والقضاء، حيث جسد في مسيرته أسمى معاني النزاهة والالتزام بمبادئ استقلال السلطة القضائية عن أي تدخلات سياسية أو تشريعية. ولد هذا العلم في قرية كفر المصلحة بمحافظة المنوفية عام 1870، وبدأ رحلته بحفظ القرآن الكريم وتجويده، قبل أن ينتقل لمراحل التعليم الأساسية، ليتوج مسيرته العلمية بالحصول على ليسانس الحقوق عام 1890، ليبدأ بعدها رحلة مهنية حافلة بدأت بالعمل في محكمة طنطا ونيابة بني سويف، ثم انتقل للعمل مستشارًا قضائيًا للأوقاف، قبل أن يقرر خوض غمار المحاماة الخاصة.
يبرز تاريخ القضاء صمود هذا الرجل في وجه محاولات النيل من هيبة المحاكم، ففي عام 1930 قدم استقالته المدوية من رئاسة محكمة الاستئناف، وذلك عقب مطالعته سؤالًا في الصحف طرحه أحد أعضاء مجلس النواب حول راتبه الذي يوازي راتب الوزير. اعتبر عبد العزيز باشا فهمي ذلك التدخل مساسًا باستقلال القضاء، فتوجه فورًا إلى الملك فؤاد لتقديم استقالته، ورغم محاولات الملك رفضها في البداية، إلا أن إصرار شيخ القضاة دفع الملك إلى قبولها، مسجلًا بذلك موقفًا تاريخيًا يدرس في حماية استقلال المؤسسات القضائية عن تغول السلطة التشريعية.
شهد العام نفسه تأسيس محكمة النقض، حيث تولى رئاستها، ويُنسب إليه اختيار هذا الاسم الذي صار عنوانًا للعدالة العليا، كما اتسم مساره المهني بكونه ثاني نقيب للمحامين وأصغر من تقلد هذا المنصب. امتدت بصمات الرجل لتشمل الجانب الدستوري، حيث كان أول من وضع مشروع الدستور عام 1920، علاوة على توليه منصب وزير الحقانية في وزارة زيور باشا، مشاركًا في مراحل مفصلية من بناء هيكل القوانين والأنظمة الإدارية التي شكلت وجدان الحركة القانونية في تلك الحقبة الزمنية.
تتضح وطنية الرجل في كونه ممثل الوجه البحري في الوفد الذي ضم سعد زغلول وعلي شعراوي، والذي توجه لعرض قضية الاستقلال على المعتمد السامي البريطاني. ورغم انشغاله بقضايا الوطن الكبرى، لم يغفل عن الجوانب الإنسانية والطرائف التي تعكس نبله، ومن أشهرها قصته مع رجل من بلدته أصيب في حادث قطار، حيث تكفل بتعيين حمار هذا الرجل في وظيفة بوسطجي لنقل الخطابات بين القرى، ليوفر له مصدر رزق كريم يغنيه عن السؤال، في لفتة إنسانية تعكس بساطة وعظمة الشخصية في آن واحد.
يظل ذكر عبد العزيز باشا فهمي مرتبطًا بالتضحية ونكران الذات في سبيل رفعة الوطن وحماية حقوق المواطنين، فقد كان شعلة نشاط لم تنطفئ طوال حياته الحافلة بالعمل في القضاء والسياسة وكتابة الشعر ورئاسة حزب الأحرار الدستوريين. رحل هذا الرمز عن عالمنا في الأول من يناير عام 1951 عن عمر يناهز 81 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا قانونيًا ووطنيًا لا يزال يدرس، مخلدًا بذلك اسم “النقيب الجليل” كأحد أعمدة العدالة الذين لم يساوموا يومًا على مبادئهم أو كرامة مهنتهم.





