شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: القاضي المصري… هيبة جريحة وهجرة صامتة . مصر الممكنة 2030 (36) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (7)

يولد القاضي مرتين؛ مرة حين يتخرج في كلية الحقوق، ومرة حين يجلس للمرة الأولى فوق المنصة ويدرك أن الورقة التي أمامه ليست ملفًا، وأن الاسم المكتوب فيها ليس رقمًا، وأن الخصومة التي ينظرها ليست مادة دراسية، بل حياة كاملة لإنسان أو أسرة أو شركة أو وطن صغير من الأوجاع والمصالح والآمال. عند هذه اللحظة فقط يبدأ المعنى الحقيقي للقضاء.

عرفت القضاء قبل أن أعرف السياسة. عرفته في بيت قانوني كانت فيه الكتب السوداء ذات الحروف الذهبية جزءًا من الأثاث الروحي للمكان، وكانت أخبار المحاكم والأحكام والمرافعات تمر في الأحاديث اليومية كأنها شؤون عائلية لا أخبار مهنة. لذلك لم أنظر يومًا إلى القاضي بوصفه موظفًا في الدولة، بل بوصفه ضميرًا من ضمائرها، وحارسًا من حراسها، ورجلًا يملك في لحظة واحدة أن يرد حقًا أو يخذله، أن يفتح بابًا أو يغلق عمرًا.

كان والدي، رحمه الله، يرى أن المرور بسلك القضاء يمنح رجل القانون صلابة لا تمنحها المرافعات وحدها، وكان يتمنى لي أن أبدأ من هناك قبل أن أعود إلى المحاماة والعمل العام. قاومت الفكرة بقوة الشباب وعناده، وربما لم أكن أحتمل يومها أن أجلس فوق منصة تلزمني بالصمت أكثر مما تسمح لي بالكلام. لكنني، رغم ذلك، بقيت أحمل للقاضي المصري احترامًا فطريًا، لا باعتباره صاحب سلطة، بل باعتباره صاحب أمانة.

الأزمة التي نناقشها اليوم ليست أزمة قاضٍ بعينه، ولا محكمة بعينها، ولا حكم بعينه. إنها أزمة بيئة قضائية كاملة تعرضت خلال العقد الأخير لضغوط ثقيلة؛ سياسية واقتصادية وإدارية وتشريعية ومعنوية. والقاضي، مهما علت قامته، لا يعمل في فراغ. إنه ابن المناخ الذي يحيط به، يتأثر به وإن قاوم، ويتحمل أعباءه وإن صمت، ويدفع من هيبته أحيانًا ثمن ما لا يصنعه بيده.

المكانة التاريخية للقاضي المصري لم تأتِ من نصوص الدستور وحدها، بل من تراكم طويل من الاحترام العام. كانت منصة القضاء في الوعي المصري مساحة مختلفة؛ يدخلها الناس وقد لا يرضون عن الأحكام، لكنهم كانوا يشعرون غالبًا أن هناك تقليدًا مهنيًا وأخلاقيًا يجعل القاضي أقرب إلى الدولة العميقة بمعناها النبيل، لا بمعناها الأمني أو السياسي. دولة القانون التي تعيش في الضمير قبل أن تعيش في الجريدة الرسمية.

خلال عقود طويلة، صنع القضاة المصريون لأنفسهم مدرسة عربية كاملة. أحكام المحكمة الدستورية العليا في فترات ازدهارها كانت تُقرأ خارج مصر كما تُقرأ داخلها. وقضاء مجلس الدولة كان مدرسة في كبح الإدارة حين تنحرف، وفي تذكير السلطة بأن القرار الإداري ليس قدرًا إلهيًا، بل عمل قانوني يخضع للمراجعة والمساءلة. والقضاء العادي أنجب قضاة وقفوا أمام قضايا كبرى وهم يعرفون أن ضغوطها أكبر من أوراقها.

أستحضر هنا، كلما تحدثت عن هيبة القضاء، أسماءً ووقائع لا يجوز أن تُنسى. المستشار عوض المر، بما مثله من عمق دستوري وبلاغة قانونية جعلت بعض أحكام المحكمة الدستورية نصوصًا في الفقه لا مجرد منطوق قضائي. والمستشار أحمد الشاذلي، بما مثله في مجلس الدولة من إصرار على أن المشروعية ليست زينة دستورية بل قاعدة حكم. والمستشار عبد الغفار محمد أحمد، في قضية الجهاد الكبرى، حين رفض أن تتحول خطورة الاتهام إلى مبرر لإهدار ضمانات العدالة.

هذه الأسماء لا تُذكر للزينة، ولا لاستدعاء نوستالجيا قانونية، بل لأنها تذكرنا بأن القضاء المصري كان قادرًا، في لحظات شديدة الحساسية، على أن يقول لا. لا للأدلة المنتزعة بالإكراه، لا للتوسع في الاستثناء، لا لسطوة الإدارة، لا للخوف من الرأي العام. ومن لا يعرف قيمة هذه الـ«لا» في تاريخ القضاء لا يعرف قيمة القضاء أصلًا.

غير أن الهيبة لا تعيش على الذاكرة وحدها. فالهيبة التي لا تحميها شروط العمل، ولا يدعمها استقلال حقيقي، ولا تصونها كرامة اقتصادية ومهنية، تتحول مع الوقت إلى صورة معلقة على جدار قديم. والقاضي الذي نطالبه بأن يكون مستقلًا في ضميره، يجب أن نوفر له ما يعينه على الاستقلال في واقعه.

خلال السنوات الأخيرة تزايد الحديث داخل الأوساط القانونية والقضائية عن خروج أعداد ملحوظة من القضاة من الخدمة، سواء بالاستقالة أو التقاعد المبكر أو الانتقال إلى مسارات أخرى. الرقم المتداول في بعض الدوائر بلغ ما يزيد على ألف وثلاثمائة قاضٍ خلال سنوات قليلة، وهي ظاهرة تستحق التوقف لا باعتبارها خبرًا إداريًا، بل باعتبارها جرس إنذار مؤسسي.

خروج القاضي من منصة القضاء ليس كخروج موظف من إدارة عادية. القاضي لا يحمل معه ملفًا وظيفيًا فقط، بل يحمل ذاكرة أحكام، وخبرة مرافعات، وملامح متقاضين، وقدرة على قراءة البشر قبل قراءة الأوراق. هذه الخبرة لا تُصنع في دورة تدريبية، ولا تُستبدل بقرار تعيين، ولا تُعوّض بسهولة مهما كثرت الكليات والمعاهد.

البعد الاقتصادي في هذه الظاهرة لا يجوز تجاهله. فقد أصاب التضخم وارتفاع تكاليف الحياة كل فئات المجتمع، لكن أثره على القاضي أكثر حساسية؛ لأن استقلاله لا يقوم فقط على الضمانات القانونية، بل على شعوره بأن كرامته المادية مصونة بما يحميه من الحاجة والقلق والبحث عن مخارج جانبية لا تليق بالمنصة. الدولة التي تريد قاضيًا شامخًا لا يجوز أن تتركه وحيدًا في مواجهة ضغوط معيشية تطحن المجتمع كله.

لا أتحدث هنا عن امتيازات فئوية، ولا عن تمييز طبقي، بل عن شرط من شروط العدالة ذاتها. فالقاضي المستقر نفسيًا واجتماعيًا ومهنيًا أقدر على التفرغ لرسالته، وأقدر على مقاومة الضغوط، وأقدر على أن ينظر في عيون المتقاضين مطمئنًا إلى أنه لا يطلب من الدولة شيئًا لنفسه، بل يطلب منها أن تحمي شروط عدالته.

الإرهاق القضائي لا يأتي من الاقتصاد وحده. هناك أيضًا فيضان القضايا. ملايين المنازعات تتدفق سنويًا على المحاكم، من خلافات أسرية صغيرة إلى نزاعات استثمارية ضخمة، ومن جنح مزدحمة بالتفاصيل اليومية إلى قضايا جنائية تمس حريات الناس وأقدارهم. والقاضي الذي يقرأ عشرات الملفات في اليوم الواحد لا يواجه عبئًا إداريًا فقط، بل يواجه خطر أن يتحول الزمن إلى خصم للعدالة.

حين يزدحم جدول الجلسة بما يفوق الطاقة الإنسانية، يصبح القاضي مطالبًا بما يشبه المستحيل؛ أن يكون سريعًا ودقيقًا، حازمًا ورحيمًا، صبورًا ومختصرًا، مستوعبًا للتفاصيل وغير غارق فيها. وهذه معادلة لا يمكن أن تستقيم إلا بإصلاح بنية العمل القضائي نفسها، لا بمجرد مطالبة القضاة ببذل جهد أكبر.

أخشى دائمًا من تحويل القاضي إلى موظف إنتاج، تُقاس كفاءته بعدد الملفات التي ينهيها لا بجودة العدالة التي يصنعها. فالقضاء ليس خط تجميع في مصنع، والحكم ليس سلعة، والملف ليس وحدة قياس. العدالة تحتاج إلى وقت، لكن البطء يقتلها. وتحتاج إلى تدقيق، لكن التعقيد يخنقها. وبين هذين الحدين ينبغي أن نبحث عن إصلاح حقيقي لا عن شعارات إدارية.

جانب آخر من جرح الهيبة يتعلق بالصورة العامة للقضاء في وعي الناس. فالثقة في القضاء ليست أمرًا يفرض بالقانون، ولا تحميها البيانات الرسمية وحدها. الثقة تُبنى حين يرى المواطن أن القاضي مستقل، وأن المحكمة لا تخضع لمزاج السلطة، وأن الأحكام الكبرى لا تبدو كأنها صدى لمعادلات السياسة. كل اهتزاز في هذه الصورة يخصم من رصيد القضاء حتى لو لم يكن القضاة جميعًا مسؤولين عنه.

عرفت بنفسي قيمة القاضي الشجاع في لحظات لم تكن سهلة. رأيت أحكامًا إدارية أعادت إلي حقوقًا داخل السجن، وأحكامًا فتحت لي باب الكتابة والصلاة والزيارة حين ظن البعض أن الأسوار قادرة على مصادرة كل شيء. ورأيت في المقابل كيف يمكن للإجراءات أن تتحول إلى متاهة، وكيف يمكن للإنسان أن يشعر أن الطريق إلى العدالة أطول من العقوبة نفسها.

لذلك لا أملك ترف الكتابة عن القضاء من موقع الحياد البارد. فأنا ابن هذا العالم القانوني، وواحد ممن احترقوا أحيانًا بغياب العدالة، واستدفأوا أحيانًا بنارها حين ظلت مشتعلة في ضمير قاضٍ مستقل. وهذا ما يجعل نقدي للقضاء دفاعًا عنه لا خصومة معه، ومحاولة لإنقاذ هيبته لا للنيل منها.

مصر الممكنة لا تحتاج إلى قاضٍ خائف، ولا إلى قاضٍ مرهق، ولا إلى قاضٍ محاصر بأعباء إدارية واقتصادية وسياسية فوق طاقة البشر. تحتاج إلى قاضٍ مطمئن إلى استقلاله، محمي في رزقه، مؤهل علميًا وتقنيًا، متفرغ للعدالة لا للنجاة من ضغوطها، قريب من روح القانون لا من تعليمات الإدارة.

إصلاح أوضاع القضاة يجب أن يبدأ من رؤية شاملة تتضمن استقلالًا ماليًا حقيقيًا للسلطة القضائية، ومراجعة جادة للأجور والرعاية الصحية والاجتماعية، وتخفيفًا جذريًا للأعباء الإدارية، وتطويرًا لعدد القضاة وتوزيعهم، وتحديثًا للبنية الرقمية، وتدريبًا مستمرًا يواكب التحولات القانونية والاقتصادية والتكنولوجية.

كما ينبغي إعادة النظر في قواعد الندب والانتداب بما يحمي القاضي من أي شبهة ارتباط إداري أو مالي بجهات تنفيذية قد تعرض عليه نزاعات لاحقًا. فالقاضي لا ينبغي أن يكون مدينًا لأي سلطة إلا للقانون، ولا قريبًا من أي جهة إلا بقدر ما تقربه منها نصوص الدستور واختصاصات العدالة.

ويجب، في الوقت نفسه، أن تقترن حماية استقلال القضاء بنظام مساءلة مهني عادل وشفاف لا يمس استقلال القاضي، لكنه يحمي المجتمع من الخطأ الجسيم أو الانحراف أو الإهمال. فالاستقلال لا يعني الحصانة المطلقة من المساءلة، كما أن المساءلة لا تعني فتح الباب للضغط على القضاة. التوازن هنا شديد الحساسية، لكنه شرط لنضج المؤسسة.

تحتاج مصر أيضًا إلى مشروع وطني لاستعادة ثقة الشباب في منصة القضاء. فحين يصبح الانضمام إلى القضاء أقل جاذبية لأبناء كليات الحقوق المتفوقين، أو حين يشعر القاضي الشاب أن مستقبله المهني محاط بالغموض، فإن الدولة تخسر قبل أن يخسر القضاء. العدالة تبدأ من اختيار أفضل العقول، ثم حمايتها، ثم فتح الطريق أمامها لتكبر في استقلال ومعرفة.

الهجرة الصامتة من القضاء ليست رقمًا يضاف إلى تقارير الموارد البشرية. إنها علامة على أن المنصة التي كانت يومًا حلمًا لأبناء القانون تحتاج إلى إنقاذ. وإذا لم نقرأ هذه العلامة بجدية، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام مرفق عدالة فقد جزءًا من ذاكرته وروحه وخبرته، لا بسبب مؤامرة، بل بسبب إهمال طويل لشروط بقائه قويًا.

القاضي المصري يستحق أكثر من المدح في المناسبات. يستحق نظامًا يحميه من الحاجة، ومن الخوف، ومن التسييس، ومن الإرهاق، ومن العزلة. ويستحق مجتمعًا يدافع عن استقلاله لا عندما يصدر حكمًا يرضينا فقط، بل عندما يصبح استقلاله نفسه مهددًا. فاستقلال القضاء لا يُجزأ، ولا يُطلب عند الحاجة ثم يُترك عند الخلاف.

مصر الممكنة في 2030 لن تولد من مشروعات الطرق والمدن وحدها، مهما بلغت أهميتها. ستولد حين يعرف المواطن أن خصمه، مهما كان قويًا، سيقف أمام قاضٍ لا يخاف إلا ضميره. وستولد حين يعرف القاضي أن الدولة التي يطبق قانونها لا تتركه وحيدًا. وستولد حين تعود المنصة إلى مكانها الطبيعي: أعلى من السياسة، وأقرب إلى الناس، وأوفى للدستور.

فالعدل لا يحتاج إلى قاضٍ خارق، بل إلى قاضٍ حر. ولا يحتاج إلى منصة مذهبة، بل إلى ضمير مطمئن. ولا يحتاج إلى خطب في تمجيد القضاء، بل إلى إصلاح يحمي القاضي كي يستطيع أن يحمي الناس.

الحلقة القادمة:

مصر الممكنة 2030 (37)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (8)

العدالة البطيئة… حين يصبح الزمن خصمًا للحق

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى