شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: رغيف خبز… والكتاب المسروق . لماذا لا يستقيل الوزراء في مصر؟

ليست الدول بما تملكه من جيوش أو قصور أو موازنات، وإنما بما تملكه من احترام لمعنى المسؤولية. وقد تبدو اللحظات الفاصلة في تاريخ الأمم صغيرة في ظاهرها؛ رغيف خبز على طاولة، أو هامش كتاب، أو كلمة قيلت في البرلمان، لكنها تكبر فجأة لأنها تمتحن الضمير العام، لا الأشخاص وحدهم. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال: من أخطأ؟ بل يصبح السؤال: كيف تتصرف الدولة حين يثبت الخطأ؟

المسؤولية القانونية ليست هي المسؤولية السياسية، وإن التقيا أحيانًا في الطريق نفسه. فالقضاء يسأل: هل ثبت الفعل؟ ويحكم وفق الأدلة والقانون. أما السياسة فتسأل سؤالًا آخر: هل بقيت الثقة؟ وهل ما زال صاحب المنصب قادرًا على تمثيل القيمة التي يجسدها منصبه؟ وبين السؤالين تولد الاستقالة في الدول الديمقراطية؛ لا بوصفها عقوبة، وإنما بوصفها احترامًا للدولة قبل أن تكون احترامًا للرأي العام.

أكثر من عشرين عامًا مضت، وما زالت صورة لا تغادر ذاكرتي. تحت قبة البرلمان، وقفت أستجوب رئيس الوزراء ووزير التموين عن تدهور رغيف الخبز، ولم أرد أن أُغرق الجلسة في جداول وإحصاءات. خرجت صباح ذلك اليوم إلى أحد المخابز الشعبية في القاهرة، واشتريت رغيفًا من الخبز الذي كان ملايين المصريين يأكلونه كل صباح، ثم دخلت به إلى البرلمان.

وضعت الرغيف أمام رئيس الوزراء ووزير التموين، وقلت: هذا هو الخبز الذي يأكله المصريون. فإن أكلتموه أمام النواب، أعلنت استقالتي من البرلمان، واعتذرت للشعب عن استجوابي. أما إذا لم تستطيعوا أكله، فأرجو أن تستقيلوا أنتم من مواقعكم الوزارية، لأنكم لا تستطيعون أن تقدموا للناس ما لا تقبلونه لأنفسكم.

بقي الرغيف فوق الطاولة… ولم يأكله أحد. وبقي الوزراء في مقاعدهم… ولم يستقل أحد. عندها أدركت أن المشكلة في مصر لم تكن يومًا في نقص الأدلة، بل في غياب ثقافة المسؤولية. فالوزير الذي لا يستطيع أن يتذوق رغيفًا يقدمه للمواطن، يصعب عليه أن يتذوق مرارة الاستقالة دفاعًا عن كرامة المنصب.

اليوم يعود السؤال نفسه، لكن الرغيف صار كتابًا. فقد أيدت محكمة النقض، بحكم نهائي بات، الحكم الصادر ضد جيهان زكي، وزيرة الثقافة، في القضية المقامة من الكاتبة سهير عبد الحميد، والمتعلقة بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية، مع تأييد ما انتهى إليه الحكم من تعويض وسحب الكتاب محل النزاع من التداول. وبذلك لم تعد القضية محل جدل أو خلاف، وإنما أصبحت حكمًا قضائيًا نهائيًا صادرًا من أعلى محكمة مصرية، والأحكام، في لغة القانون، عنوان الحقيقة.

يفرض هذا الحكم سؤالًا قانونيًا وإداريًا لا يقل أهمية عن الحكم نفسه. فمن الجهة المنوط بها تنفيذ قرار سحب الكتاب من التداول؟ أليست وزارة الثقافة هي إحدى الجهات المعنية بتنفيذ مثل هذا الحكم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستقيم أن تكون الوزيرة، من الناحية الرمزية والمؤسسية، هي المحكوم عليها، وهي في الوقت نفسه رئيسة الجهة التي يفترض أن تتابع تنفيذ مقتضى الحكم؟ قد توجد ترتيبات إجرائية للإجابة عن هذا السؤال، لكن مجرد طرحه يكشف حجم الحرج المؤسسي الذي تجد الدولة نفسها فيه. فلا يستقيم ميزان العدالة حين يقف الشخص نفسه، ولو رمزيًا، في موضع المحكوم عليه، وموضع الحارس على تنفيذ الحكم.

لا أكتب هذه الكلمات خصومة مع شخص، ولا انتقاصًا من أسرة أكن لبعض أفرادها كل تقدير واحترام، وفي مقدمتهم السفير حسام زكي. كما أن القضية ليست مناسبة لتصفية حسابات سياسية أو شخصية، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال ظل غائبًا طويلًا: أين تنتهي المسؤولية القانونية، وأين تبدأ المسؤولية السياسية؟

وزارة الثقافة ليست وزارة خدمية كسائر الوزارات. إنها وزارة تحرس الكلمة، وتحمي حق المؤلف، وتصون الملكية الفكرية، وتدافع عن الأمانة العلمية. فإذا أصبح من يجلس على قمتها طرفًا في حكم نهائي يتعلق بهذه القيم نفسها، فإن المسألة تتجاوز شخص الوزير إلى صورة الوزارة، بل إلى صورة الدولة أمام مثقفيها ومبدعيها.

لم تعرف الديمقراطيات الكبرى قداسة للمناصب، بل قداسة للمؤسسات. ولذلك رأينا جون بروفومو يغادر وزارة الحرب البريطانية لأنه ضلل البرلمان، فأصبح الكذب على المؤسسة التشريعية أخطر من أصل الواقعة نفسها. ورأينا بوريس جونسون يغادر المشهد السياسي بعد أزمة “بارتي غيت” وما ارتبط بها من تضليل البرلمان، لأن الثقة إذا انكسرت لا يجبرها الخطاب السياسي.

ورأينا أيضًا اللورد مايكل بيتس يقدم استقالته لأنه تأخر دقائق عن الرد على سؤال في مجلس اللوردات. لم يكن هناك فساد، ولا قضية، ولا حكم قضائي، وإنما إحساس بأن احترام المؤسسة يبدأ من احترام الوقت. قد تبدو الواقعة طريفة في أعيننا، لكنها تكشف الفارق بين ثقافة تعتبر المنصب تكليفًا، وأخرى تعتبره امتيازًا.

أما اليابان فقد قدمت نماذج أكثر قسوة. استقال وزير بسبب تصريح عن الأرز، واستقال آخرون بسبب مخالفات انتخابية محدودة، بل إن وزير الزراعة توشيكاتسو ماتسوكا أنهى حياته أثناء تصاعد التحقيقات حول نفقات مكتبه. ولا أذكر هذه الواقعة باعتبارها نموذجًا يُحتذى، وإنما دلالة على حجم الضغط الأخلاقي الذي تفرضه ثقافة ترى المنصب العام مسؤولية ثقيلة، لا درعًا يحتمي به صاحبه.

وفي ألمانيا، استقال وزير الدفاع كارل تيودور تسو غوتنبرغ بعد ثبوت الانتحال في رسالته للدكتوراه، رغم أنه كان أحد أكثر السياسيين شعبية. وبعده استقالت وزيرة التعليم أنيته شافان بعد سحب درجة الدكتوراه منها للأسباب نفسها. لم يقل أحد إن الرسالة الجامعية شأن خاص، لأن المجتمع أدرك أن من يقود مؤسسة المعرفة لا يجوز أن تهتز أمانته العلمية.

وفي النرويج، لم تختلف الصورة كثيرًا. استقالت وزيرة التعليم العالي ساندرا بورش، ثم لحقتها وزيرة الصحة إنغفيلد كيركول، بعد ثبوت وجود انتحال في أعمال أكاديمية. لم تكن الحكومات هناك أكثر تشددًا من القانون، لكنها كانت أكثر احترامًا لرمزية المنصب.

هذه الأمثلة لا تعني أن تلك الدول بلا فساد أو أخطاء، لكنها تعني أن لديها معيارًا واضحًا: الثقة العامة جزء من وظيفة الوزير، فإذا سقطت الثقة، لم يعد المنصب قادرًا على أداء رسالته، حتى لو بقي القانون صامتًا.

في مصر، تبدو الصورة مختلفة. فالاستقالة نادرة، لا لأنها غير مطلوبة، بل لأنها لم تتحول بعد إلى جزء من الثقافة السياسية. يغادر الوزراء عادة مع التعديلات الوزارية، أو بقرار من السلطة، أما أن يبادر الوزير نفسه إلى الرحيل حفاظًا على هيبة المنصب، فتلك ثقافة لم تتجذر بعد.

القضية المطروحة اليوم ليست قضية جيهان زكي وحدها، بل قضية وزارة الثقافة نفسها. فهل تستطيع الوزارة أن تدافع غدًا عن حقوق المؤلفين، وأن تطالب الباحثين بالأمانة العلمية، وأن تحتفل بالملكية الفكرية في معارض الكتب، بينما تقف على رأسها وزيرة صدر ضدها حكم نهائي في قضية تمس هذه القيم؟

السؤال هنا لا يتعلق بقدرات الوزيرة، ولا بتاريخها الأكاديمي، ولا بعلاقاتها الشخصية، ولا بما قدمته أو يمكن أن تقدمه. السؤال الوحيد هو: هل بقيت قادرة على تمثيل الرمزية الأخلاقية التي يفرضها هذا المنصب؟

ربما لا يمنع القانون بقاءها. لكن السياسة ليست قانونًا فقط، والدولة ليست محكمة فقط. فهناك مساحة أوسع اسمها المسؤولية السياسية، وهي التي جعلت وزراء في أنحاء العالم يغادرون مناصبهم بسبب كلمة، أو بحث، أو تصريح، أو دقيقة تأخير، أو مروحة ورقية، أو فقرة منسوخة.

لا أطالب بعقوبة جديدة، ولا بإدانة إضافية، ولا بحملة تشهير. فالحكم قال كلمته، والقضاء أنهى مهمته. لكن الدولة ما زالت مطالبة بأن تقول كلمتها هي أيضًا. لأن الصمت، في مثل هذه اللحظات، يتحول إلى رسالة سياسية لا تقل أثرًا عن القرار نفسه.

حكومة مصطفى مدبولي تقف اليوم أمام اختبار هادئ، لكنه بالغ الدلالة. ليس مطلوبًا منها أن تنتقم من وزيرة، ولا أن تبرئها، وإنما أن تحسم سؤالًا بسيطًا: هل يبقى المنصب أكبر من صاحبه، أم يصبح صاحبه أكبر من المنصب؟

أكثر من عشرين عامًا تفصل بين رغيف الخبز الذي بقي على طاولة البرلمان، والكتاب الذي أصبح اليوم عنوانًا لحكم قضائي نهائي. تبدلت الحكومات، وتغيرت الوجوه، لكن السؤال ظل هو السؤال: متى تصبح الاستقالة في مصر فضيلة سياسية، لا هزيمة شخصية؟

ليست القضية كتابًا، ولا رغيفًا، ولا اسم وزير، ولا اسم حكومة. القضية هي صورة الدولة في مرآتها. والدول التي تملك شجاعة النظر إلى تلك المرآة، تملك دائمًا شجاعة إصلاح نفسها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى