
لم تعد المستطيلات الخضراء مجرد مساحات مُحاطة بالخطوط البيضاء يركض فيها اثنان وعشرون لاعبًا خلف كرة من الجلد؛ بل تحولت في العصر الحديث إلى مسارح كبرى تتشابك فيها خيوط السياسة بأقدام الرياضيين، وتتحول معها منصات التتويج إلى منابر للرسائل الناعمة التي تتجاوز حدود الملاعب لتخترق عمق الوعي الإنساني والسياسي. فالرياضة، في جوهرها المعاصر، باتت لغة عالمية تمتلك من القوة المرنة ما يعجز عنه الدبلوماسيون في أروقة الأمم المتحدة، حيث تكفي إيماءة واحدة أو راية تُرفع في لحظة نصر لتختزل قضايا أمم وتاريخ صراعات بأكمله.
وفي الآونة الأخيرة، تجلت هذه الحقيقة بأبهى وأعمق صورها من خلال القضية الفلسطينية، التي أبت إلا أن تحجز مكانها في قلب المحافل الرياضية الدولية. لم يكن مشهد المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، وهو يرفع علم فلسطين عاليًا عقب الفوز على أستراليا، مجرد احتفال عابر بنصر كروي، بل كان امتدادًا لخط وطني شعبي لا ينفصم. وبتصريحاته اللاحقة التي تلمست مأساة الشعب الفلسطيني، وتحديدًا ما يمر به قطاع غزة، استطاع الرجل أن يلمس أوتار القلوب في العالمين العربي والإسلامي، معيدًا ضخ دماء الأمل والمعنويات في نفوس القابعين تحت وطأة الاحتلال.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان شريط ذكريات محفور في وجدان الجماهير؛ يوم أن كشف النجم المعتزل محمد أبو تريكة عن قميصه الشهير حاملًا عبارة “تعاطفًا مع غزة”. إنها ذات الروح الإنسانية والعفوية النابعة من عمق الارتباط الوجداني بين الشعب المصري وقضيته المركزية. غير أن هذا الفعل، كما هو حال كل ما يتماس مع السياسة، لم يسلم من مقصلة القراءات المتباينة. فبينما رأى فيه البعض فضاءً من العفوية والصدق والارتباط المتجذر بالهوية، ذهبت قراءات مشككة إلى اعتباره حراكًا موجّهًا أو تجميلًا لسياسات وتوازنات إقليمية معقدة. لكن الشارع العربي، كعادته، انحاز للرمزية والنقاء الكامن في اللحظة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود السياسة الخارجية، بل امتد ليتشابك مع البُعد الروحي والإيماني. فالمشهد الجماعي للاعبي المنتخب المصري وهم يقرؤون سورة الفاتحة قبيل انطلاق الصافرة، وسجودهم المشترك شكرًا عقب اللقاء، عكس حالة فريدة من الارتباط النفسي والروحي. هذا المزيج بين الإعداد الفني والتوفيق الإلهي خلق هالة من التعاطف، دفعت الكثيرين للتفاؤل بأن هذه “الروح الطاهرة” والنيات الصادقة قد تكون التميمة التي تقود الفريق للذهاب بعيدًا في البطولة، وكأن الساحرة المستديرة تبتسم لمن يحملون على عاتقهم هموم أمتهم.
إن الصخب الدائر حول قميص أبو تريكة بالأمس، وعلم حسام حسن اليوم، يؤكد أن الرياضة ليست معزولة عن واقعها. إنها المرآة الحقيقية التي تعكس نبض الشعوب حين تصمت السياسة أو تعجز. وحين يمتزج عرق الجهد الرياضي بدموع التعاطف الإنساني، تسقط كل الحسابات الضيقة، وتبقى الحقيقة المضيئة: أن الملاعب ستظل ساحة حرية تنطق بلسان المستضعفين، وتثبت للعالم أن قضية فلسطين ليست مجرد ملف سياسي، بل هي نبض مستمر في عروق كل من ينتمي لهذه الأمة.







