مقالات وآراء

مصطفى عبيد يكتب: مثقفون في خدمة الديكتاتور

بدأ الكون بكلمة وسيفنى بكلمة، وبينهما كلمات عمرت ودمرت، وأقامت وهدمت، وزرعت خيرات، ورشت شرورا، فثمة كلمات ملكات وأخرى لكمات، فيا أيها الكاتب المُبتدئ والمثقف الصغير: اختر لك دربا.
عندما قرأت عبارة عبد الرحمن الشرقاوي الساحرة “الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور” فكرت مرارا في تلك الكلمات التي أضرت وقتلت وخربت بلدانا، وتذكرت الواقعة الشهيرة التي نقلتها لنا كُتب التراث والتي تقول أن الخليفة أبا العباس استتبت له الأمور وحقق الانتصار التام على الدولة الأموية، ودعا يوما بقايا الأمراء الأمويين إلى مأدبة طعام وأمنهم. فدخل أحد الشعراء ويُدعى سديف وأنشد شعرا في مدح الخليفة، لكنه ذكر في ثناياه تحذيرا من أمراء بني أمية ونواياهم تجاهه، فأمر الخليفة بضرب المدعويين للمأدبة بالعصي حتى الموت.
والمحزن أن ابن خلدون نفسه رأى أن وظيفة أصحاب الأقلام، هي تمجيد وتفخيم رجال السلطة والحكم فكتب في مقدمته “اعلم أنّ السّيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدّولة يستعين بها على أمره، إلّا أنّ الحاجة في أوّل الدّولة إلى السّيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشدّ من الحاجة إلى القلم لأنّ القلم في تلك الحال خادم فقط منفّذ للحكم السّلطانيّ والسّيف شريك في المعونة، وكذلك في آخر الدّولة حيث تضعف عصبيّتهما كما ذكرنا ويقلّ أهلها بما ينالهم من الهرم فتحتاج الدّولة إلى الاستظهار بأرباب السّيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدّولة والمدافعة عنها كما كان الشّأن أوّل الأمر في تمهيدها فيكون للسيف مزيّة على القلم في الحالتين، ويكون أرباب السّيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة وأسنى إقطاعا. أمّا في وسط الدّولة فيستغني صاحبها بعض الشّيء عن السّيف لأنّه قد تمهّد أمره ولم يبق همّه إلّا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضّبط ومباهاة الدّول وتنفيذ الأحكام والقلم هو المعين له في ذلك فتعظم الحاجة إلى تصريفه وتكون السّيوف مهملة في مضاجع أغمادها إلّا إذا أنابت نائبة أو دعيت إلى سدّ فرجة وممّا سوى ذلك فلا حاجة إليها. فتكون أرباب الأقلام في هذه الحاجة أوسع جاها وأعلى رتبة وأعظم نعمة وثروة وأقرب من السّلطان مجلسا وأكثر إليه تردّدا وفي خلواته نجيّا لأنّه حينئذ آلته الّتي بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه والنّظر إلى أعطافه وتثقيف أطرافه والمباهاة بأحواله”.
ومن قراءاتي لتاريخنا المعاصر، لاحظت أن الأنظمة الشمولية التي سادت بلادنا العربية عقب التحرر من الاستعمار مثّلت بيئة جاذبة للمثقفين للترعرع والحراك، لكن بهدف وحيد هو تجميل عصور القهر، وتبرير خطايا الاستبداد.
لقد اعتبر بعض الحكام، أصحاب الأقلام تروسا لتسيير ماكينات بطشهم تحت لافتات عدة من عينة ضرورات بناء الدولة، التصدي الدائم للمؤامرات الخارجية، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
ربما انخدع البعض بشعارات الريادة والتقدم فصدقوا وصفقوا، لكن هناك مَن كانوا قريبين من دوائر صنع القرار ويعرفون الحقيقة، لكن نفوسهم أبت اضاعة مكاسب عظيمة يُمكن أن تتحقق من خلال تشجيع إجراءات قمعية، فسخروا طاقاتهم من أجل ذلك.
واستثمر هؤلاء المثقفون في نفخ الحالمين بالزعامة في عالمنا العربي فتحلق كثير من المبدعين حول طاغية دموية مُنفر مثل صدام حسين فسموه بطل العرب، وحارس البوابة الشرقية، وخادم القدس وساحق الفرس. كما استثمر كثيرون في التغني بعبقرية معمر القذافي وكتب كثير من النقاد يشيدون بجمال قصصه القصيرة التي نشرتها الهيئة العامة للكتاب بمصر.
وهكذا كفر الناس بالمثقف في بلادنا.
والله أعلم

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى