د. أيمن نور يكتب: العدالة البطيئة… الزمن خصمًا للحق . مصر الممكنة 2030 (37) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (8)

ثمة ظلم لا يصدره قاضٍ، ولا يكتبه قانون، ولا تأمر به سلطة. ظلم يتسلل ببطء شديد حتى يكاد لا يُرى، لكنه يترك في حياة الناس آثارًا لا تقل قسوة عن أي حكم جائر. ذلك هو ظلم الوقت حين يتحول الزمن نفسه إلى خصم للعدالة.
تعلمت في سنوات المحاماة الأولى أن الناس لا يأتون إلى المحاكم بحثًا عن الأحكام فقط، بل بحثًا عن نهاية للقلق. فالرجل الذي ينازع على أرضه لا يريد ورقة قضائية بقدر ما يريد أن يعرف إن كان سيبني بيته أم لا. والمرأة التي تخوض معركة نفقة أو حضانة لا تبحث عن حيثيات قانونية بقدر ما تبحث عن استقرار لحياتها وحياة أطفالها. والمستثمر لا يريد حكمًا بعد عشر سنوات، بل يريد يقينًا يسمح له بأن يقرر اليوم ماذا سيفعل غدًا.
لهذا كانت العدالة البطيئة في كل الحضارات القانونية الحديثة نوعًا من إنكار العدالة، لا مجرد تأخير لها. فالحق الذي يصل بعد أن يفقد صاحبه عمله أو صحته أو عمره أو أسرته، ليس هو الحق ذاته الذي كان ينتظره يوم طرق باب المحكمة لأول مرة.
لم تأت هذه الفكرة من أدبيات حقوق الإنسان فقط، بل أصبحت مبدأً مستقرًا في الفكر القضائي العالمي. ولهذا انتشرت العبارة الشهيرة: “العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة”. وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها تختصر أزمة تعاني منها أنظمة قضائية عديدة في العالم، ومن بينها مصر.
القضية هنا لا تتعلق بكسل القضاة أو ضعف كفاءتهم، بل على العكس. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن القاضي المصري يعمل غالبًا تحت أعباء تفوق ما يتحمله نظراؤه في كثير من الأنظمة القضائية المقارنة. المشكلة أعمق من الأشخاص، وأقرب إلى البنية العامة للمنظومة.
مصر اليوم واحدة من أكبر الدول من حيث عدد السكان في المنطقة، وتشهد ملايين المعاملات والمنازعات سنويًا. وكلما توسعت الدولة اقتصاديًا وعمرانيًا واجتماعيًا، تضاعفت النزاعات المدنية والتجارية والإدارية والأسرية والجنائية. لكن هذا النمو لم يصاحبه دائمًا نمو مماثل في أدوات إدارة العدالة.
حين كنت نائبًا في البرلمان، كانت تصلنا شكاوى متكررة من مواطنين لا يشكون من الحكم نفسه، بل من الطريق الطويل المؤدي إليه. وكانت المفارقة أن كثيرًا منهم كانوا على يقين من سلامة موقفهم القانوني، لكنهم فقدوا الثقة في قدرتهم على الوصول إلى نهاية معقولة خلال زمن معقول.
في بعض القضايا المدنية قد تمتد الخصومة سنوات طويلة بين أول درجة والاستئناف والنقض وإعادة الإجراءات والتنفيذ. وفي بعض المنازعات الإدارية يصبح عمر القضية أطول من عمر القرار المطعون عليه. أما في بعض القضايا الاقتصادية، فقد تتحول سنوات التقاضي إلى عقوبة اقتصادية قائمة بذاتها.
هنا لا تتضرر العدالة فقط، بل يتضرر الاقتصاد أيضًا. فالمستثمر الذي يعلم أن حسم نزاعه قد يستغرق سنوات طويلة سيعيد التفكير قبل أن يضخ أمواله. وصاحب المشروع الصغير قد يختار التنازل عن حقه بدلًا من الدخول في رحلة قضائية مجهولة المدى. وهكذا يصبح بطء العدالة قضية تنموية لا قانونية فقط.
لهذا السبب أصبحت سرعة الفصل في المنازعات أحد المؤشرات الأساسية التي تقيس بها المؤسسات الدولية جودة بيئة الأعمال وسيادة القانون. ولم يعد يُنظر إلى المحكمة باعتبارها مؤسسة عدلية فقط، بل باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية للدولة.
الدول التي نجحت في تحقيق قفزات اقتصادية كبيرة لم تهتم فقط بالموانئ والطرق والطاقة، بل اهتمت أيضًا بسرعة وكفاءة القضاء. فالعقد لا تضمنه الورقة التي يوقعها الطرفان، بل تضمنه المحكمة القادرة على حمايته إذا نشأ النزاع.
التجربة السنغافورية تقدم نموذجًا لافتًا. فقد أدركت الدولة مبكرًا أن جذب الاستثمار يحتاج إلى قضاء سريع ومتخصص وقادر على التعامل مع النزاعات التجارية المعقدة. ولهذا جرى تطوير محاكم متخصصة وإجراءات مختصرة وتقنيات رقمية متقدمة جعلت الزمن القضائي جزءًا من التنافسية الاقتصادية.
أما في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فقد شهدت العقود الأخيرة موجات متتالية من الإصلاحات الإجرائية هدفها الرئيسي تقليص مدد التقاضي دون المساس بضمانات العدالة. فالسرعة لا قيمة لها إذا جاءت على حساب الإنصاف، والإنصاف يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا جاء بعد فوات الأوان.
في مصر، لا يمكن معالجة هذا الملف بمعزل عن أزمة التشريعات نفسها. فالتضخم التشريعي الذي تحدثنا عنه في حلقات سابقة انعكس مباشرة على المحاكم. فكل قانون جديد، وكل استثناء جديد، وكل إجراء إضافي، يضيف عبئًا جديدًا إلى دورة العدالة.
كما أن بعض النصوص الإجرائية التي صيغت لواقع مختلف قبل عقود طويلة أصبحت أقل قدرة على الاستجابة لمجتمع يتغير بسرعة. وهنا تظهر الحاجة إلى مراجعة شاملة لا تقتصر على المحاكم، بل تمتد إلى فلسفة الإجراءات ذاتها.
أحد الدروس التي تعلمتها من سنوات المحاماة أن جزءًا كبيرًا من الأزمة لا يبدأ داخل المحكمة، بل قبل الوصول إليها. فالكثير من المنازعات كان يمكن حسمها بالوساطة أو التسوية أو التحكيم أو المصالحة لو توفرت مؤسسات فعالة وقوية لهذا الغرض.
ولهذا فإن الدول المتقدمة لا تقيس نجاحها بعدد القضايا التي تدخل المحاكم، بل بعدد القضايا التي نجحت في حلها قبل الوصول إلى المحكمة. فالقاضي يجب أن يتفرغ لما لا يمكن حله إلا أمامه، لا أن يصبح محطة إلزامية لكل خلاف مهما كان بسيطًا.
التحول الرقمي يمثل بدوره أحد المفاتيح الكبرى للإصلاح. لكن الرقمنة الحقيقية لا تعني استبدال الورق بالشاشات فقط. الرقمنة تعني إعادة تصميم دورة العمل القضائي كلها؛ من قيد الدعوى إلى الإعلان إلى تبادل المذكرات إلى تنفيذ الأحكام.
ما زالت ذاكرتي تحتفظ بمشاهد لا حصر لها من غرف المحامين المكدسة بالملفات، ومن المتقاضين الذين يقطعون مئات الكيلومترات لحضور جلسة لا تستغرق دقائق، ومن أوراق تضيع أو تتأخر أو تحتاج إلى رحلة طويلة بين المكاتب والأختام والتوقيعات.
كثير من هذه المعاناة يمكن أن يصبح جزءًا من الماضي إذا امتلكنا الإرادة الكافية لتحديث منظومة العدالة بصورة جذرية لا تجميلية.
العدالة البطيئة ليست مشكلة فنية فقط، بل مشكلة إنسانية. ففي كل ملف متأخر يوجد إنسان ينتظر. وفي كل قضية مؤجلة توجد أسرة معلقة. وفي كل نزاع ممتد توجد حياة متوقفة جزئيًا أو كليًا إلى أن تصدر كلمة الفصل.
لهذا فإن إصلاح مرفق العدالة لا يكتمل دون مشروع وطني لتقليص الزمن القضائي. مشروع يوازن بين الدقة والسرعة، وبين الضمانات والفاعلية، وبين حق الدفاع وحق المجتمع في عدالة لا تستغرق عمرًا كاملًا.
ومن بين الخطوات التي أراها ضرورية في هذا المسار:
تحديث شامل لقانون المرافعات والإجراءات المدنية.
التوسع في الوساطة والتحكيم والتسويات البديلة.
استكمال مشروع العدالة الرقمية بصورة متكاملة.
إنشاء دوائر متخصصة للمنازعات الاقتصادية والاستثمارية.
تطوير آليات تنفيذ الأحكام.
إعادة توزيع الموارد البشرية داخل المحاكم.
تبسيط الإجراءات وتقليل التعقيد الشكلي غير الضروري.
وضع مؤشرات أداء معلنة تقيس متوسط زمن الفصل في القضايا.
ربط التقييم المؤسسي بقدرة المنظومة على تقليل زمن التقاضي.
فالدولة التي تنجح في اختصار الطريق إلى العدالة لا توفر الوقت فقط، بل توفر الثقة. والثقة هي العملة الأغلى في أي نظام قانوني.
مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 ليست مصر التي تكسب قضاياها فحسب، بل مصر التي تكسب وقت مواطنيها أيضًا. لأن العمر، في نهاية المطاف، هو أثمن ما يملكه الإنسان. والعدالة التي تستهلك العمر كله كي تصل، تكون قد خسرت جزءًا من معناها حتى لو انتهت إلى حكم صحيح.
الطريق إلى دولة القانون لا يمر فقط عبر نصوص عادلة وقضاة مستقلين، بل يمر أيضًا عبر عدالة تصل في الوقت المناسب. فالحق الذي يصل متأخرًا قد يظل حقًا في الأوراق، لكنه كثيرًا ما يكون قد مات في حياة أصحابه.
الحلقة القادمة:
مصر الممكنة 2030 (38)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (9)
العدالة الاقتصادية… الاستثمار يبدأ من المحكمة







