
لم تحمل الانتخابات البرلمانية الجزائرية مفاجآت كبرى، لكنها حملت رسائل سياسية عميقة تستحق القراءة. فالنتائج لم تغيّر موازين القوى بصورة جذرية، لكنها كشفت عن اتجاهات مستقرة في المشهد السياسي الجزائري، وعن تحديات تواجه جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم التيار الإسلامي.
احتفظت جبهة التحرير الوطني بالمركز الأول بـ90 مقعدًا، وتبعها التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعدًا، بينما جاءت جبهة المستقبل ثالثة بـ59 مقعدًا. أما حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإسلامية، فحصلت على 43 مقعدًا، تلتها حركة البناء الوطني بـ38 مقعدًا، بينما توزعت بقية المقاعد الإسلامية على أحزاب أصغر.
هذه النتائج تؤكد أن الدولة الجزائرية ما زالت تدير عملية الانتقال السياسي داخل سقف معروف، يسمح بالتعددية، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على استمرار موازين القوة التقليدية. فلا يوجد حزب قادر على الانفراد بالحكم، ولا توجد معارضة تمتلك القدرة على فرض تغيير جذري عبر البرلمان وحده.
الإسلاميون… حضور ثابت لكنه غير متصاعد
الرسالة الأبرز هي أن التيار الإسلامي لم ينهَر، لكنه أيضًا لم يحقق الاختراق الذي كان يطمح إليه.
فإذا جمعنا مقاعد الأحزاب الإسلامية نجد أنها تشكل كتلة معتبرة، لكنها تبقى أقل من أن تكون قوة حاكمة أو صاحبة قرار منفرد.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
لماذا توقف النمو الإسلامي عند هذا السقف؟
ليست الإجابة في عامل واحد، وإنما في مجموعة عوامل متداخلة:
تراجع الحماسة الشعبية للعمل الحزبي عمومًا.
انقسام التيار الإسلامي إلى أكثر من حزب.
محدودية صلاحيات البرلمان في النظام السياسي الجزائري.
تغير أولويات الشباب نحو الاقتصاد والبطالة والسكن أكثر من الشعارات السياسية.
المنافسة الشديدة من الأحزاب الوطنية والمحلية.
هل تعني النتائج قبولًا شعبيًا كاملًا بالأحزاب الحاكمة؟
ليس بالضرورة. فالانتخابات لا تقيس دائمًا حجم الرضا الشعبي فقط، بل تقيس أيضًا قدرة الأحزاب على التنظيم، والحشد، وإقناع الناخبين بالمشاركة.
كما أن نسب المشاركة، وطبيعة النظام الانتخابي، وتوزيع الدوائر، كلها عوامل تؤثر في النتائج النهائية.
لذلك فإن بقاء أحزاب السلطة في الصدارة لا يعني بالضرورة غياب الرغبة في الإصلاح، لكنه يعني أن البديل السياسي لم يستطع حتى الآن بناء أغلبية مجتمعية قادرة على إحداث تحول كبير.
الرسالة الأهم للإسلاميين
ربما تكون هذه الانتخابات فرصة للمراجعة أكثر منها سببًا للإحباط.
فالعمل الإسلامي لا يمكن أن يبقى محصورًا في المنافسة الانتخابية فقط، لأن الانتخابات ليست سوى أداة من أدوات الإصلاح، وليست المشروع كله.
إن قوة الحركات الإسلامية تاريخيًا لم تكن في عدد مقاعدها البرلمانية، وإنما في قدرتها على بناء الإنسان، وصناعة النخب، وخدمة المجتمع، والعمل في التعليم والإغاثة والنقابات والاقتصاد والثقافة والإعلام.
وعندما كانت هذه المؤسسات قوية، كانت النتائج السياسية تأتي لاحقًا بصورة طبيعية.
من السياسة إلى المشروع الحضاري
قد تكون الرسالة الأعمق لهذه الانتخابات أن المجتمعات لا تمنح ثقتها لمن يطلب السلطة فقط، بل لمن يقدم مشروعًا متكاملًا يلامس حياتها اليومية.
فالمواطن يريد من يعالج مشكلاته الاقتصادية، ويحسن التعليم، ويوفر فرص العمل، ويحارب الفساد، ويبني مؤسسات قوية، إلى جانب المحافظة على هوية المجتمع وقيمه.
ولهذا فإن مستقبل التيار الإسلامي لن يُحسم بعدد المقاعد التي يحصل عليها، بل بقدرته على تجديد خطابه، وتوسيع حضوره المجتمعي، وبناء مشروع إصلاحي طويل النفس يتجاوز منطق الانتخابات إلى منطق النهضة الشاملة.
خلاصة المشهد
الانتخابات الجزائرية لم تُنتج تحولًا سياسيًا كبيرًا، لكنها أكدت استمرار الاستقرار النسبي في موازين القوى، وبقاء أحزاب السلطة في المقدمة، مع احتفاظ التيار الإسلامي بحضور معتبر لكنه دون مستوى التأثير الحاسم.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع، وليس الإسلاميين وحدهم: كيف يمكن تحويل التنافس الانتخابي إلى تنافس في بناء الإنسان والدولة والمجتمع؟ لأن مستقبل الأمم لا تصنعه صناديق الاقتراع وحدها، وإنما تصنعه الأفكار، والمؤسسات، والثقة التي تُبنى مع المجتمع عامًا بعد عام.
د. محمد عماد صابر
08-07-2026







