
ليست المشكلة في أن تتحرك الولايات المتحدة داخل الملف الليبي. فمنذ سنوات، لم تعد ليبيا أزمة داخلية خالصة، ولا حتى ملفًا إقليميًا محدودًا. إنها ساحة مفتوحة لحسابات النفط، والهجرة، والسلاح، والحدود، والنفوذ، والاستثمار، وصراع الشرعيات. لذلك، فإن دخول واشنطن بثقل أكبر عبر مبادرة يقودها مسعد بولس لا يبدو مفاجئًا. ما يلفت الانتباه هو الحذر المصري من هذا التحرك؛ لا لأن القاهرة ترفض الحل، بل لأنها تخشى أن يتحول الحل الأمريكي إلى صفقة تدير الانقسام الليبي بدلًا من إنهائه.
هذا الحذر لا يمكن قراءته بوصفه رفضًا مصريًا مطلقًا. فالقاهرة تدرك أن الجمود الليبي لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن المسارات الأممية المتعاقبة لم تنجح في إنتاج تسوية حاسمة، وأن الانقسام بين الشرق والغرب استنزف الدولة والاقتصاد والمجتمع. لكنها، في المقابل، لا تريد أن يتحول استعجال واشنطن لتحقيق اختراق سياسي إلى ترتيب سريع يمنح القوى المسيطرة على الأرض شرعية جديدة، ثم يعيد تقديم الأمر الواقع بغطاء دولي أنيق.
بالنسبة إلى مصر، ليبيا ليست ملفًا خارجيًا عاديًا. ما يحدث هناك ينعكس مباشرة على حدودها الغربية، وعلى شبكات التهريب والهجرة والسلاح، وعلى توازنات شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ولذلك، فإن أي تسوية ناقصة في ليبيا لا تعني بالنسبة للقاهرة أزمة ليبية فقط، بل احتمال إنتاج فوضى طويلة على خاصرتها الغربية. ومن هنا، يصبح التحفظ المصري مفهومًا؛ ليس اعتراضًا على الدور الأمريكي في ذاته، بل على احتمال أن يُختزل الحل في تفاهم بين مراكز القوة.
لكن جوهر القلق المصري أعمق من مسألة الحدود. فالأزمة الليبية لم تعد فقط صراعًا بين حكومتين، أو خلافًا على موعد الانتخابات، بل أزمة في مركز الدولة نفسه؛ من يملك القرار؟ من يتحكم في المال؟ من يحتكر السلاح؟ ومن يمثل ليبيا أمام الخارج؟ أي مبادرة لا تقترب من هذه الأسئلة ستبقى، مهما بدت عملية، مجرد إعادة ترتيب للواجهة السياسية لا علاجًا لبنية الأزمة.
ولذلك تكرر القاهرة في خطابها الرسمي ثوابت محددة؛ وحدة ليبيا، وتوحيد مؤسساتها الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي–ليبي، وصولًا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. وقد أعاد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تأكيد هذه النقاط في اتصاله الأخير مع مسعد بولس، وفق ما أوردته وسائل إعلام مصرية رسمية. هذه اللغة ليست مجرد دبلوماسية محفوظة؛ إنها تعكس هاجسًا مصريًا قديمًا، فلا مرحلة انتقالية مفتوحة، ولا ترتيبات أمنية خارج الدولة، ولا سلطة جديدة بلا مسار انتخابي واضح.
وللقاهرة سلوك سابق يفسر هذا الحذر. ففي عام 2020، أطلقت مصر ما عرف بـ”إعلان القاهرة” بحضور عقيلة صالح وخليفة حفتر، في لحظة كانت فيها موازين الحرب تتغير بعد فشل الهجوم على طرابلس. هذا الشاهد مهم لأنه يكشف أن مصر لم تكن بعيدة عن محاولة التأثير في هندسة المسار الليبي، لكنها غالبًا ما حاولت إدارة الأزمة عبر بوابة المؤسسات والفاعلين في الشرق. كما استضافت القاهرة لاحقًا جولات المسار الدستوري بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يعكس تفضيلها لمسارات تفاوضية مؤسسية، حتى عندما تكون هذه المؤسسات نفسها جزءًا من الأزمة.
المبادرة الأمريكية، من جهتها، تبدو مبنية على منطق عملي؛ البدء من الملفات الممكنة لا من العقد الكبرى. توحيد الميزانية، تهدئة الخلافات حول النفط، تعزيز فرص الاستثمار الأمريكي، ثم الانتقال إلى صيغة سياسية تجمع شرق ليبيا وغربها. وقد ذكرت “فايننشال تايمز” أن واشنطن تسعى إلى تفاهم لتقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في الشرق والغرب، ضمن مقاربة تربط توحيد الحكم بزيادة إنتاج النفط وجذب الاستثمارات الأمريكية.
هذه المقاربة قد تبدو مغرية لواشنطن؛ استقرار سريع، نفط أكثر، عقود استثمار، وتخفيف لمخاطر الفوضى. لكنها بالنسبة إلى مصر تفتح سؤالًا حساسًا، هل المطلوب بناء دولة ليبية واحدة، أم ترتيب هدنة طويلة بين مراكز القوة؟ الفرق بين الأمرين كبير. بناء الدولة يعني سلطة موحدة، مؤسسات واضحة، قانونًا انتخابيًا، وجيشًا وأجهزة أمن خاضعة لقرار سياسي مدني. أما الهدنة بين مراكز القوة، فتعني غالبًا توزيع المناصب والموارد بين من يملكون السلاح والمال والنفوذ، ثم مطالبة الليبيين بقبول ذلك باسم الواقعية السياسية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ أن يتحول الانقسام من حالة مؤقتة إلى بنية معترف بها دوليًا. فإذا جرى التعامل مع شرق ليبيا وغربها باعتبارهما كيانين سياسيين متوازيين يجب إرضاؤهما فقط، لا باعتبارهما جزءين من دولة واحدة يجب إعادة تركيبها، فإن التسوية ستصبح اعترافًا ناعمًا بالتشظي. وهذا ما تخشاه القاهرة؛ أن يجري تغليف تقاسم النفوذ بلغة توحيد المؤسسات، بينما تبقى القوة الفعلية موزعة بين مراكز عسكرية ومالية وجهوية.
ما تريده مصر عمليًا من أي تعديل على المبادرة الأمريكية ليس إسقاطها، بل ضبطها. فالاختبار الحقيقي لأي مبادرة لا يكمن في قدرتها على جمع الأطراف فقط، بل في قدرتها على منع إنتاج مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية. لذلك، تحتاج أي صيغة أمريكية إلى سقف زمني واضح يقود إلى انتخابات، وإلى ضمانات تمنع تحويل الترتيبات السياسية إلى شرعنة للسلاح أو لمراكز القوة خارج المؤسسات، وإلى تأكيد أن المبادرة ليست بديلًا عن المسار الأممي بل داعمة له، مع إشراك دول الجوار، وعلى رأسها مصر وتونس والجزائر، لأنها ستكون أول من يدفع ثمن الفشل.
وتدرك القاهرة، أو يفترض أن تدرك، أن أي صفقة تُفهم في غرب ليبيا على أنها تمنح أفضلية لمعسكر الشرق، أو تُفهم في الشرق على أنها إعادة تدوير للسلطة القائمة في طرابلس، ستولد ضعيفة حتى لو وُقعت في عاصمة كبرى. ليبيا لم تعد تحتمل تسويات تُصاغ من فوق، ثم يُطلب من المجتمع والقوى السياسية والمسلحة ابتلاعها. الحل الذي لا يوسع قاعدة التوافق لن يصنع دولة؛ سيصنع فقط معارضة جديدة.
لهذا تبدو مصر اليوم كمن يقول لواشنطن، لا مانع من التحرك، لكن لا تختصروا ليبيا في النفط، ولا تختصروا السياسة في تقاسم السلطة، ولا تختصروا الدولة في تفاهم بين الأقوياء. فالأزمة الليبية لم تبدأ فقط لأن السياسيين اختلفوا، بل لأنها فقدت مركز الدولة الواحد.
في النهاية، الحذر المصري من المبادرة الأمريكية لا يعني رفضًا للحل، بل خوفًا من حل ناقص. والخطورة في ليبيا أن الحلول الناقصة لا تبقى ناقصة؛ إنها تتحول، مع الوقت، إلى أزمات كاملة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المبادرة الأمريكية ستنجح في جمع الأطراف، بل ما إذا كانت ستقودهم إلى دولة واحدة، أم إلى غرفة جديدة لتقاسم الانقسام. فالخطر ليس في أن تفشل المبادرة فقط، بل في أن تنجح شكليًا وهي لا تفعل سوى تجميل الانقسام.







