ذاكرة التاريخمصر

في ذكرى ميلاده.. محمد وجدي عبد الصمد قاضٍ واجه السلطة دفاعًا عن استقلال القضاء

تحل في 8 يوليو ذكرى ميلاد المستشار محمد وجدي عبد الصمد، الرئيس السابع والعشرين في تاريخ محكمة النقض، ورئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، والرئيس الشرفي لنادي قضاة مصر، وأحد أبرز أعلام القضاء والقانون في مصر خلال القرن العشرين.

ولد المستشار محمد وجدي عبد الصمد في 8 يوليو 1928، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، التي كانت تحمل اسم جامعة فؤاد الأول، عام 1948، قبل أن يبدأ مسيرته القضائية معاونًا للنيابة العامة عقب تخرجه.

وتدرج عبد الصمد في المناصب القضائية، حيث عمل وكيلًا للنائب العام عام 1954، ثم رئيسًا بمحكمة ابتدائية عام 1963، ومستشارًا بمحاكم الاستئناف عام 1971، ثم مستشارًا بمحكمة النقض عام 1976، قبل أن يصبح نائبًا لرئيس محكمة النقض عام 1980.

وفي العام نفسه، انتُخب رئيسًا لنادي قضاة مصر لدورتين متتاليتين، في مرحلة شهدت حضورًا قويًا للنادي في الدفاع عن استقلال القضاء، قبل أن يصدر قرار جمهوري في 1 يوليو 1987 بتعيينه رئيسًا لمحكمة النقض ورئيسًا لمجلس القضاء الأعلى.

ارتبط اسم المستشار محمد وجدي عبد الصمد بمحطات بارزة في تاريخ القضاء المصري، خاصة في مواجهة محاولات تدخل السلطة التنفيذية في شؤون العدالة، والدفاع عن استقلال القضاة وحرية الرأي داخل المؤسسة القضائية.

ففي عام 1958، ومع صدور قانون الطوارئ رقم 162، كان عبد الصمد من أوائل الأصوات القضائية المنتقدة لهذا القانون، لما رآه من تأثير على ضمانات العدالة وسيادة القانون، رغم أنه كان لا يزال في بداية مسيرته المهنية.

وعقب هزيمة يونيو 1967، ومع إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، برزت أزمة جديدة حين طُرح ما عُرف بالتنظيم الطليعي داخل صفوف القضاة، في إطار الاتحاد الاشتراكي، وهو ما اعتبره عدد كبير من رجال القضاء محاولة لتسييس السلطة القضائية وإخضاعها للولاء السياسي.

وقف عبد الصمد، إلى جانب رموز قضائية بارزة، بينهم ممتاز نصار ويحيى الرفاعي وعادل يونس، في مواجهة هذا التوجه، وتمسكوا بمبدأ أن القاضي لا ينتمي إلا إلى القانون والعدالة.

وانتهى هذا الصدام بما عُرف تاريخيًا باسم مذبحة القضاء في 31 أغسطس 1969، حين تم فصل أكثر من مائتي قاضٍ من مواقعهم، وكان المستشار محمد وجدي عبد الصمد بين الأسماء التي شملتها قرارات الإبعاد.

ومع تولي الرئيس أنور السادات الحكم، أُعيد القضاة المفصولون إلى مواقعهم ودرجاتهم الوظيفية، ليواصل عبد الصمد مسيرته القضائية، ويصبح لاحقًا أحد أبرز وجوه نادي القضاة في مرحلة شهدت مطالبات متكررة بإعادة مجلس القضاء الأعلى وتعزيز ضمانات استقلال السلطة القضائية.

وفي عام 1980، وخلال زيارة الرئيس السادات لنادي قضاة مصر، كان المستشار وجدي عبد الصمد رئيسًا للنادي، وطرح أمامه مطالب القضاة بعودة مجلس القضاء الأعلى وإلغاء حالة الطوارئ، في موقف عُد من أبرز المحطات التي رسخت صورته كقاضٍ لا يفصل بين العدالة واستقلال القضاء.

كما عُرف عبد الصمد بمواقفه القانونية الهادئة والحاسمة، وبإسهاماته في العمل القضائي والمؤسسي، إذ شارك في لجان قانونية مهمة، وترك بصمة واضحة في محكمة النقض ونادي القضاة، إلى جانب مؤلفاته وبحوثه القانونية التي تناولت قضايا دقيقة في مجال القانون والقضاء.

وظل المستشار محمد وجدي عبد الصمد حاضرًا في ذاكرة القضاء المصري بوصفه قاضيًا دافع عن هيبة المنصة واستقلالها، ورمزًا لجيل آمن بأن العدالة لا تستقيم إلا بقضاء مستقل، وأن قوة القاضي تبدأ من التزامه بالقانون ووقوفه على مسافة واحدة من السلطة والخصوم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى