استراتيجيات دولية لدعم مسارات العدالة وبناء مؤسسات سيادة القانون في ليبيا

تتواصل الجهود المكثفة لتعزيز سيادة القانون والعدالة في ليبيا عبر مبادرة نوعية متعددة السنوات، تستهدف إرساء دعائم مؤسساتية تتسم بالفعالية والشمولية في قطاعات الأمن والعدالة. يرتكز هذا المشروع، الذي يحظى بتمويلات استراتيجية من الحكومة الإيطالية، ومملكة هولندا، والاتحاد الأوروبي، والحكومة السويسرية، بالإضافة إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على شراكات وثيقة مع وزارة العدل ووزارة الداخلية ومكتب النائب العام، بهدف صياغة منظومة وطنية قادرة على حماية الحقوق الأساسية وتكريس مبادئ المساءلة والإنصاف عبر تنفيذ بنود تعزيز سيادة القانون.
ملامح العمل الحقوقي وتطوير آليات العدالة
تتفرع أنشطة تعزيز سيادة القانون إلى مسارات حيوية، أبرزها معالجة ملف الأشخاص المفقودين بتمويل من مملكة هولندا وبالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. يسعى هذا المسار إلى تمكين الضحايا وعائلاتهم من الانخراط الفاعل في مبادرات العدالة الانتقالية، مع رفع كفاءة الفاعلين في الأمن والقضاء لمنع الانتهاكات الجسيمة. وتتشارك في هذه الجهود الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين والهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين، لضمان نهج يرتكز على الضحايا وحقوق الإنسان.
يتبنى المشروع نهجاً متمحوراً حول الإنسان في سياق تعزيز سيادة القانون، حيث تُصمم التدخلات لتلائم الاحتياجات الواقعية للنساء والشباب والفئات المستضعفة. ومن خلال الإدارة التكيفية، استطاع المشروع التعامل مع المتغيرات السياسية السريعة، محققاً منذ عام 2022 وحتى منتصف عام 2026 إنجازات جوهرية، منها دعم تقديم المسودة النهائية لقانون المصالحة إلى مجلس النواب في نوفمبر 2024، والتوصل إلى توافق بشأن إطار قانوني شامل لملف المفقودين يمهد الطريق نحو المساءلة والإنصاف في مختلف أرجاء البلاد.
تعزيز القدرات المؤسسية وتمكين الكوادر الوطنية
سجلت مبادرات تعزيز سيادة القانون طفرات ملموسة في القدرات المؤسسية، حيث استفاد أكثر من 200 كادر من برامج تدريبية تخصصية، شملت منتسبي مركز البحوث والتدريب القضائي وإدارة البحث الجنائي. ولم تتوقف الجهود عند التدريب النظري، بل امتدت إلى تأهيل البنية التحتية، كإعادة تأهيل مرافق المدرسة الفنية التابعة لوزارة الداخلية، وتزويد مركز الخبرة القضائية والبحوث بأجهزة تقنية متطورة، مثل أجهزة الكشف بالأشعة السينية ومعدات تحليل الحمض النووي، مما أسهم مباشرة في رفع جودة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين.
أحدثت الجهود التدريبية في سجن الجديدة للنساء نقلة نوعية، حيث تم إطلاق مركز للتدريب المهني وتأهيل نزيلات في مجالات الخياطة وتقنية المعلومات. وفي ذات السياق، واصل المشروع دعم وتطوير مهارات 73 محامية مبتدئة في مدن طرابلس وبنغازي والبيضاء وأجدابيا والزاوية. كما شهد عام 2025 تدشين أول مبادرة لقطاع الأعمال وحقوق الإنسان، تلاها في سبتمبر تنظيم مؤتمر الانتقال العادل والمستدام للطاقة، لترسيخ الالتزام بالمعايير الدولية للاستدامة البيئية والحقوق العمالية ضمن مساعي تعزيز سيادة القانون.
توجت هذه المساعي بإعداد الصياغة النهائية لخمسة تقارير حقوقية دولية، منها اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي سُلمت لوزارة العدل في اليوم العالمي لحقوق الإنسان. كما أثمر التعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن تقديم تقارير موازية لآلية المراجعة الدورية الشاملة، ونجح المشروع في أبريل 2026 في تأسيس الشبكة الوطنية للأشخاص المفقودين، إلى جانب إطلاق حملة مفقود التي حققت 11.8 مليون مشاهدة، لترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية العدالة والمصالح الوطنية العليا.







