ملفات وتقارير

جولة التصعيد الأمريكي – الإيراني الأخيرة: بين الضغط التفاوضي واحتمالات المواجهة الأوسع

دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة ضد أهداف عسكرية إيرانية في جنوب البلاد، بالتزامن مع تصعيد مجددًا في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه طهران. ويأتي هذا التطور في سياق حالة التوتر المتصاعدة بين الطرفين، والتي انتقلت من مرحلة الضغوط السياسية والاقتصادية والعقوبات إلى استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة بعد نحو ثلاثة أسابيع من سريان مذكرة التفاهم حول الهدنة والمفاوضات بين الطرفين، ضد أهداف مرتبطة بالبنية الدفاعية والعسكرية الإيرانية، خصوصًا تلك المنتشرة في منطقة مضيق هرمز، التي تمثل إحدى أهم الساحات الاستراتيجية في الصراع بين الطرفين.

فقد أعلن ترامب عمليًا انتهاء مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ومستخدمًا لغة سياسية حادة تعكس انتقال الإدارة الأمريكية من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الضغط المباشر. وعادة ما تحمل مثل هذه التصريحات أهمية عند قراءتها في سياق التطورات العسكرية، إذ إن التصعيد السياسي غالبًا ما يكون انعكاسًا لقرار استراتيجي اتخذ بالفعل على المستوى العسكري، أو تمهيدًا لمرحلة أكثر حدة في إدارة الصراع، وهو ما كان يحدث بالفعل أثناء الجولة الأخيرة من التصعيد.

في هذا الإطار، نفذت الولايات المتحدة سلسلة من الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في محيط بندر عباس وتشابهار وكنارك وجاسك وبوشهر والجزر الإيرانية المطلة على مضيق هرمز ، إضافة إلى مواقع أخرى داخل الأراضي الإيرانية مثل أق قلا شمالي البلاد. ووفقًا للمعلومات المتداولة، فقد شملت الأهداف رادارات ساحلية تابعة للحرس الثوري، ومواقع صواريخ مضادة للسفن، وأنظمة دفاع جوي، وهي أهداف ليست عشوائية بطبيعة الحال، وإنما تمثل المكونات الأساسية لمنظومة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.

في الوقت ذاته أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في بيان نشرته، أن القوات الأميركية نفذت هذه الضربات “لفرض ثمن باهظ على استهداف ومهاجمة السفن التجارية التي تقل طواقم مدنية بريئة في ممر مائي دولي”. وقال الجيش الأمريكي أن الهجوم الأمريكي على إيران هو رد فعل ردًا على هجوم نفذه الحرس الثوري الإيراني على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز.

وعند دراسة توزيع الضربات الأمريكية يتضح أن التركيز الرئيسي انصب على جنوب إيران، وهي المنطقة التي تتمركز فيها القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وكذلك على القوات المسؤولة بصورة مباشرة عن إدارة العمليات العسكرية المرتبطة بمضيق هرمز، فضلًا عن منطقة بوشهر، وهو ما يعطي مؤشرات مهمة حول طبيعة الأهداف العسكرية الأمريكية، ويدفع للتساؤل عن التناظر الملحوظ مع المواقع التي يمكن أن يحدث من خلالها هجومًا بريًا على إيران كما نشرنا في دراسة حديثة للمعهد المصري .

شكل خريطة تظهر أبرز المواقع الإيرانية التي تعرضت للقصف الأمريكي:

من الناحية العسكرية، لا يمكن فهم هذه الضربات باعتبارها مجرد رد تكتيكي محدود على استهداف سفن أو تهديد الملاحة، بل تبدو أقرب إلى عملية مخططة مسبقًا تستهدف البنية العملياتية التي تمنح إيران القدرة على التحكم في المضيق. فالرادارات الساحلية الإيرانية، ومنصات الصواريخ المضادة للسفن، ومنظومات الدفاع الجوي، كلها عناصر تشكل شبكة متكاملة تسمح للحرس الثوري بمراقبة حركة الملاحة، وتهديدها عند الضرورة، كما تمنحه القدرة على فرض كلفة عسكرية واقتصادية مرتفعة على أي قوة تحاول العمل داخل المنطقة، أو شن هجوم شامل على إيران.

ومن هذا المنطلق، فإن الضربات الأمريكية تبدو في البداية موجهة نحو إضعاف القدرة الإيرانية على السيطرة العملياتية على مضيق هرمز، أو على الأقل تقليص هامش المناورة الذي تمتلكه طهران داخل هذا المسرح الحيوي. ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة إذا أخذنا في الاعتبار أن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر بحري بالنسبة لإيران، بل يعد الأن أهم أوراق الردع الاستراتيجي التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

خلال العقود الماضية، بنت إيران استراتيجيتها الدفاعية في الخليج على أساس أن أي حرب ضدها يجب أن تكون مكلفة للطرف الآخر، ليس فقط من خلال استهداف القوات العسكرية، بل أيضًا عبر تهديد حركة الملاحة العالمية. ومن هنا اكتسب مضيق هرمز مكانته الاستراتيجية في العقيدة العسكرية الإيرانية، باعتباره نقطة اختناق بحرية يمكن من خلالها التأثير على جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، وعدد من المنتجات الإستراتيجية الأخرى كالأسمدة والألومنيوم والهيليوم.

وعند محاولة تفسير الدوافع الأمريكية وراء هذا التصعيد، يمكن النظر إلى احتمالين رئيسيين.

الاحتمال الأول: أن تكون الضربات جزءًا من استراتيجية ضغط عسكري تهدف إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات أكبر في المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي وغيره من الملفات الإقليمية، على غرار المنهجية التي كانت تتبعها الولايات المتحدة قبل نهاية الجولة الماضية من التصعيد. فالإدارة الأمريكية قد ترى أن الضغوط الاقتصادية وحدها لم تعد كافية لتحقيق الأهداف المطلوبة في ظل الصمود الإيراني، وأن إضافة عنصر الضغط العسكري المباشر يمكن أن يدفع طهران إلى القبول بشروط أكثر قربًا من الرؤية الأمريكية، مع الأخذ في الإعتبار التوجه الأمريكي بتأجيل توسيع نطاق المواجهة العسكرية لأطول فترة ممكنة تتيح التقاط الأنفاس، واستعواض بعض الذخائر، فضلًا عن استعادة جزء معتبر من المخزون العالمي للنفط، والذي تم استنفاذ أغلبه في الفترة الأخيرة.

أما الاحتمال الثاني: وهو الأكثر أهمية من الناحية العسكرية، فيتمثل في أن تكون هذه الضربات مرحلة تمهيدية ضمن مسار تصعيدي أوسع، اضطُّرت أمريكا إلى الاستعجال به نظرًا للردود الإيرانية الحاسمة والفورية على أي تهديد أمام استمرار سيطرتها على الملاحة في المضيق، بما قد يتطور تدريجيًا خلال الفترة المقبلة؛ فاستهداف الرادارات الساحلية والدفاعات الجوية والصواريخ المضادة للسفن يمثل في العقيدة العسكرية الأمريكية خطوة منطقية تسبق أي عمليات بحرية أو إنزال برمائية محتملة، فالجيوش الحديثة لا تبدأ عمليات الإنزال أو السيطرة على المناطق الساحلية قبل التمهيد بالقصف الشديد لإضعاف منظومات الرصد والإنذار المبكر والدفاع الجوي والبري لدى الخصم.

ومن هنا تبرز فرضية أن الولايات المتحدة قد تكون بصدد تهيئة البيئة العملياتية لمرحلة لاحقة تستهدف السيطرة على الجزر الإيرانية المنتشرة داخل مضيق هرمز ، أو بعض المناطق الساحلية المطلة عليه. وإذا صح هذا التقدير، فإن ذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود الضغوط التفاوضية التقليدية، وأن احتمالات الانتقال إلى مواجهة أوسع أصبحت أكثر واقعية مما كانت عليه في السابق.

وتكتسب الجزر الإيرانية المنتشرة في مضيق هرمز ، مثل قشم وأبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، أهمية استثنائية في أي حسابات عسكرية مستقبلية، إذ تشكل هذه الجزر نقاط ارتكاز رئيسية للسيطرة على الممرات البحرية. ومن خلال هذه الجزر تستطيع إيران نشر الرادارات ومنظومات الصواريخ ووحدات المراقبة والاستطلاع، بما يسمح لها بمتابعة حركة السفن وتهديدها عند الحاجة. ولذلك فإن أي محاولة أمريكية لفرض سيطرة كاملة على المضيق أو ضمان حرية الملاحة بصورة مطلقة ستتطلب، بدرجات متفاوتة، تحييد القدرات العسكرية الإيرانية المنتشرة فوق هذه الجزر، وكذلك السواحل المطلة على المضيق.

وفي حال انتقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر تصعيدًا، فإن نمط التفكير العسكري الأمريكي قد يدفع باتجاه تنفيذ عمليات إنزال على بعض الجزر الاستراتيجية لكي تحاول السيطرة عليها، بالتوازي مع إنزالات موضعية على أجزاء من الساحل الإيراني المطل على المضيق أو القريبة منه. وسيكون الهدف الرئيسي من هذه العمليات هو تقويض قدرة الحرس الثوري على إدارة المعركة البحرية داخل المضيق، وانتزاع أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها طهران، كما قد يتطور لاحقًا لما هو أبعد من ذلك.

غير أن الانتقال من الضربات الجوية والصاروخية إلى العمليات البرية يفتح الباب على مرحلة مختلفة تمامًا من الصراع، لأن طبيعة الأرض على السواحل الإيرانية تشكل صعوبات جمة كما أوضحت الدراسة المشار إليها سابقًا؛ حيث تزداد تعقيدات أي مواجهة برية محتملة إذا ما أخذنا في الاعتبار الطبيعة الجغرافية للساحل الإيراني المقابل لمضيق هرمز، حيث يتميز هذا الساحل بانتشار المرتفعات الصخرية والتضاريس الوعرة والتجاويف الطبيعية، وهي عوامل تمنح القوات المدافعة أفضلية تكتيكية واضحة مقارنة بالقوات المهاجمة. فالجغرافيا في هذا المسرح ليست مجرد عنصر مساعد في القتال، وإنما تتحول إلى جزء من المنظومة الدفاعية الإيرانية، حيث تتيح للقوات المدافعة تنفيذ الكمائن والاختفاء وإعادة الانتشار بصورة مستمرة، في الوقت الذي تضطر فيه القوات المهاجمة إلى التقدم عبر محاور محدودة ومكشوفة أمام نيران الخصم.

ولهذا السبب، فإن أي محاولة للسيطرة على الجزر الإيرانية أو أجزاء من الساحل الجنوبي أو الساحل المطل على الخليج بشكل عام لن تكون مجرد عملية بحرية خاطفة أو إنزال محدود، بل قد تتحول سريعًا إلى معركة برية معقدة ومكلفة، خاصة إذا تمكنت القوات الإيرانية من امتصاص الضربة الأولى والحفاظ على جزء من بنيتها القتالية، فالخبرة العسكرية تؤكد أن الانتقال من مرحلة القصف الجوي إلى مرحلة السيطرة البرية يمثل دائمًا المرحلة الأكثر تعقيدًا في أي حملة عسكرية، لأن السيطرة الحقيقية على الأرض لا تتحقق بالقصف وحده، وإنما تتطلب وجود قوات قادرة على احتلال المناطق المستهدفة وتأمينها والدفاع عنها.

وتدرك إيران هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك لم تبنِ عقيدتها الدفاعية حول مضيق هرمز على مواجهة الأساطيل الأمريكية مواجهة تقليدية، وإنما اعتمدت بصورة رئيسية على مفهوم الحرب غير المتماثلة، وهو المفهوم الذي يقوم على تعويض الفارق الكبير في القوة العسكرية باستخدام وسائل قتال منخفضة الكلفة وعالية التأثير. فالقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وهي القوة المنوط بها القتال في مضيق هرمز، تعتمد على مزيج متكامل من الطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية والتكتيكية، وصواريخ سطح – بحر المضادة للسفن، التي يصل مدى بعضها إلى نحو ألف كيلومتر، إلى جانب الزوارق السريعة الانقضاضية والألغام البحرية، وهي أدوات صممت خصيصًا لتحويل أي قوة بحرية متفوقة إلى أهداف يصعب عليها العمل بحرية داخل المضيق، ويصعب أيضًا استمرار السيطرة على أي أراضي أو جزر تم احتلالها.

ولا تقتصر القوة الإيرانية المتاحة على الوسائل القتالية فقط، بل تمتد إلى العنصر البشري أيضًا، إذ يمتلك الحرس الثوري قوة تقدر بنحو 300 ألف مقاتل، مدعومة باحتياطيات كبيرة، فضلًا عن تشكيلات التعبئة التي تستطيع دعم العمليات العسكرية إذا تطلبت الظروف ذلك. وتمنح هذه الكتلة البشرية إيران قدرة أكبر على تحمل حرب استنزاف طويلة، بخلاف الجيوش الغربية التي تعتمد في الغالب على قوات أقل عددًا وأكثر تخصصًا، لكنها تكون أكثر حساسية للخسائر البشرية مع امتداد زمن الحرب.

ومن هنا، فإن أي إنزال أمريكي، مهما بلغت درجة نجاحه الأولي، لن يعني بالضرورة تحقيق الحسم العسكري المستدام، لأن إيران ستسعى إلى نقل المعركة من البحر والجو، حيث تمتلك الولايات المتحدة أفضلية واضحة، إلى البر، حيث تتقلص هذه الأفضلية تدريجيًا، وتصبح عوامل الأرض والزمن والاستنزاف عناصر رئيسية في تحديد مسار الصراع.

ورغم أن التفوق الجوي الأمريكي يمنح واشنطن قدرة كبيرة على تدمير الأهداف الثابتة وإضعاف البنية العسكرية الإيرانية في المراحل الأولى، فإن هذا التفوق لا يضمن تحقيق نصر سريع إذا تحولت المواجهة إلى حرب برية. فالتاريخ العسكري يوضح أن السيطرة الجوية، على أهميتها، لا تحسم وحدها الحروب عندما يكون الخصم قادرًا على إعادة تنظيم قواته وخوض قتال طويل الأمد في بيئة يعرفها جيدًا. ولذلك، فإن انتقال العمليات إلى البر سيؤدي إلى تغير تدريجي في ميزان القوى على المستوى التكتيكي، إذ تبدأ مزايا الطرف المُدافع في الظهور بصورة أكبر، بينما تتراجع فعالية كثير من عناصر التفوق التكنولوجي التي يعتمد عليها الطرف المهاجم.

وفي هذه الحالة، قد تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تتآكل خلالها أفضلية القوة العظمى تدريجيًا أمام خصم يجيد القتال في بيئته، ويعتمد على تكتيكات مرنة وغير تقليدية. وستصبح القوات الأمريكية، التي ستضطر إلى تأمين مناطق سيطرتها وخطوط إمدادها وقواعدها الأمامية، عرضة لهجمات مستمرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ والكمائن البرية، وهو ما يرفع كلفة العمليات بصورة متزايدة مع مرور الوقت.

ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين كل صراع وآخر، فإن التجارب العسكرية السابقة تشير إلى أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق حسم سريع. فقد أظهرت الحرب الأمريكية في فيتنام، ثم لاحقًا في العراق وأفغانستان، أن الدخول في عمليات برية طويلة داخل بيئات معقدة يمنح الطرف المدافع فرصًا متزايدة لاستنزاف القوة المهاجمة، حتى وإن امتلكت الأخيرة تفوقًا جويًا وتقنيًا ساحقًا. والمقصود هنا ليس عقد مقارنة مباشرة بين ساحات تلك الحروب وإيران، فلكل ساحة ظروفها الخاصة، وإنما الإشارة إلى قاعدة عسكرية ثابتة مفادها أن الحروب البرية الطويلة تميل بطبيعتها إلى تقليص أثر التفوق التكنولوجي، وإعطاء أهمية أكبر لعوامل الجغرافيا، والقدرة على التحمل، وإدارة الاستنزاف.

ولهذا، فإن أي قرار أمريكي بالانتقال من الضربات الجوية إلى عمليات برية واسعة سيكون قرارًا شديد الحساسية، لأنه قد يفتح الباب أمام مسار تصعيدي يصعب احتواؤه لاحقًا. فما يبدأ بعمليات محدودة للسيطرة على بعض الجزر أو تحييد مواقع الصواريخ الساحلية قد يتطور تدريجيًا إلى انخراط أوسع داخل الساحل الإيراني، وهو ما يعني زيادة مستمرة في حجم القوات المطلوبة، واتساع نطاق العمليات، وارتفاع الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وفي المقابل، تدرك إيران أن مجرد صمودها وإطالة أمد القتال يمثلان في حد ذاتهما عنصرًا من عناصر النجاح الاستراتيجي، لأنها لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي، بقدر ما تحتاج إلى رفع تكلفة الحرب إلى مستوى يجعل استمرارها غير مجدٍ بالنسبة للولايات المتحدة. وهذه الفلسفة تمثل أحد أهم مرتكزات العقيدة العسكرية الإيرانية خلال العقود الماضية، والتي قامت على مبدأ أن استنزاف الخصم قد يكون أكثر فاعلية من محاولة هزيمته في مواجهة تقليدية مباشرة.

في ضوء الإعتبارات السابقة، يبرز تساؤل مهم: لماذا تضطر الولايات المتحدة إذن سلوك هذا المسار وتحمل تلك المخاطر؟ الإجابة ببساطة أن الأساليب المستخدمة في الحربين الأخيرتين على إيران، لم تؤدي إلى تحقيق الأهداف الإستراتيجية من الحرب، وأن استمرار العمليات بنفس الوتيرة لن يؤدي إلى شئ في ضوء استمرار تحكم إيران في مضيق هرمز وتمسكها بذلك كهدف أول، ما يشكل ضغوطًا كبيرة على الإقتصاد الأمريكي والعالمي، ويحتم السعي للسيطرة على المضيق، وقد يتطور الأمر بالعودة لهدف إسقاط النظام الإيراني مرة أخرى مهما كانت التبعات.

في ضوء هذه المعطيات، فإن الضربات الأمريكية الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد رد عسكري محدود، وإنما، من وجهة نظرنا، تمثل جزءًا من مرحلة جديدة في إدارة الصراع مع إيران، سواء كان الهدف منها تعظيم أوراق الضغط خلال المفاوضات أو تهيئة الظروف لخيارات عسكرية أوسع إذا انهار المسار السياسي بصورة كاملة. وسيظل مسار الأزمة خلال الأيام المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بطبيعة الرد الإيراني وحجمه، إذ إن مستوى الرد سيحدد ما إذا كانت المواجهة ستظل ضمن إطار الضغوط العسكرية المتبادلة، أم أنها ستدخل مرحلة جديدة قد تقود المنطقة إلى حرب خليجية واسعة تتجاوز حدود الضربات المحدودة، وتفتح الباب أمام أحد أخطر السيناريوهات العسكرية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.

المصدر: المركز المصري للدراسات

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى