د. أيمن نور يكتب: العدالة الاقتصادية… الاستثمار يبدأ من المحكمة . مصر الممكنة 2030 (38) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (9)

اعتادت الحكومات في منطقتنا أن تبدأ حديثها عن الاستثمار بالموانئ والطرق والكهرباء والضرائب والحوافز. وكلها أمور مهمة بلا شك. لكنني تعلمت من سنوات العمل البرلماني والسياسي، ومن عشرات اللقاءات مع رجال أعمال ومستثمرين مصريين وعرب وأجانب، أن السؤال الحقيقي الذي يسبق كل هذه الأسئلة غالبًا لا يتعلق بالضرائب ولا بأسعار الطاقة ولا حتى بسعر الصرف.
السؤال الأول الذي يطرحه المستثمر الجاد عادة هو: ماذا سيحدث إذا وقع نزاع؟
قد يبدو السؤال قانونيًا، لكنه في الحقيقة سؤال اقتصادي من الدرجة الأولى. فالمستثمر لا يغامر بأمواله لأنه يحب المخاطرة، بل لأنه يثق في أن هناك نظامًا قانونيًا يحمي حقوقه إذا تعرضت للخطر. وحين تهتز هذه الثقة، ترتفع تكلفة الاستثمار حتى لو ظلت القوانين الاقتصادية نفسها على حالها.
خلال سنوات طويلة من العمل العام، حضرت عشرات الاجتماعات التي ناقشت التنمية والاستثمار. وكان يلفت انتباهي دائمًا أن بعض المسؤولين يركزون على جذب المستثمر إلى بوابة المشروع، بينما ينشغل المستثمر نفسه بالطريق الذي سيخرج به إذا تعثرت الأمور. فالعقد لا تقاس قيمته يوم توقيعه فقط، بل يوم ينشأ الخلاف حوله.
لهذا السبب أصبحت العدالة الاقتصادية أحد أهم معايير التنافس بين الدول في القرن الحادي والعشرين. ولم يعد المستثمر ينظر إلى القضاء باعتباره مؤسسة بعيدة عن الاقتصاد، بل باعتباره جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية نفسها، تمامًا مثل المطار والميناء وشبكة الاتصالات.
حين تنظر المؤسسات الدولية إلى بيئة الأعمال في أي دولة، فإنها لا تكتفي بقياس الضرائب أو معدلات النمو. بل تتابع كذلك مدة الفصل في المنازعات، وكفاءة تنفيذ الأحكام، واستقرار التشريعات، ودرجة اليقين القانوني، ومدى استقلال القضاء.
اليقين القانوني مفهوم شديد الأهمية، وربما لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه في النقاش العام المصري. فالمستثمر لا يريد فقط قانونًا جيدًا، بل يريد أن يعرف أن هذا القانون سيبقى مستقرًا، وأن تفسيره لن يتغير كل بضعة أشهر، وأن حقوقه لن تصبح رهينة لتبدلات إدارية أو سياسية مفاجئة.
الدولة التي تملك قضاءً مستقلًا وسريعًا وفعالًا تملك في الحقيقة ميزة اقتصادية لا تقل قيمة عن امتلاكها للموارد الطبيعية. بل إن بعض الدول الصغيرة التي لا تملك نفطًا ولا غازًا ولا أسواقًا ضخمة استطاعت أن تصبح مراكز اقتصادية عالمية لأنها امتلكت عدالة اقتصادية موثوقة.
سنغافورة مثال شهير على ذلك. فالدولة التي كانت قبل عقود قليلة جزيرة صغيرة محدودة الموارد أدركت مبكرًا أن الثروة الحقيقية تكمن في بناء الثقة. والثقة تبدأ من المحكمة بقدر ما تبدأ من البنك.
كما أن التجربة الإماراتية في العقود الأخيرة قدمت نموذجًا مهمًا في ربط البيئة الاستثمارية بتطوير القضاء التجاري والتحكيم وتسوية المنازعات. ولم يكن الهدف تجميل صورة العدالة، بل جعلها جزءًا من استراتيجية التنمية نفسها.
أما في مصر، فإن التحدي أكثر تعقيدًا بسبب حجم الاقتصاد وعدد السكان وتشابك المصالح وتراكم النزاعات عبر عقود طويلة. لكن هذا التعقيد لا يجعل الإصلاح أقل ضرورة، بل يجعله أكثر إلحاحًا.
ما زلت أذكر عشرات القضايا التي تابعتها كمحامٍ أو كنائب أو كرجل سياسة، وكانت المشكلة فيها أقل بكثير من الزمن الذي استغرقته. أحيانًا كانت قيمة النزاع محدودة، لكن سنوات الانتظار حولته إلى عبء اقتصادي ونفسي يفوق قيمة الحق نفسه.
وفي المقابل رأيت مشروعات واعدة توقفت، وفرص عمل ضاعت، واستثمارات ترددت أو انسحبت، لا بسبب نقص الجدوى الاقتصادية، بل بسبب غياب اليقين القانوني أو طول أمد النزاع.
لذلك فإن العدالة الاقتصادية ليست رفاهية للمستثمرين الكبار، كما يظن البعض. إنها حق لصاحب الورشة الصغيرة، والمصنع المتوسط، والمزارع، والتاجر، والعامل، والمستهلك. فكل هؤلاء يدخلون يوميًا في علاقات قانونية تحتاج إلى قضاء قادر على حسم النزاعات بسرعة وكفاءة وعدالة.
من هنا جاءت أهمية إنشاء المحاكم الاقتصادية في مصر. كانت الفكرة في أصلها خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها اعترفت بأن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى قضاء متخصص يفهم طبيعة المنازعات التجارية والمالية والاستثمارية المعقدة.
غير أن التجربة ما زالت تحتاج إلى تطوير أوسع. فالعالم يتغير بسرعة هائلة. والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والعملات المشفرة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، كلها مجالات تخلق منازعات لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة.
والقاضي الاقتصادي اليوم لا يكفيه أن يكون خبيرًا بالقانون فقط. بل يحتاج إلى فهم للأسواق والتمويل والتكنولوجيا والعقود الدولية وآليات التجارة الحديثة.
كما أن التحكيم التجاري يحتاج إلى إعادة نظر في علاقته بمنظومة العدالة الوطنية. فالتحكيم ليس بديلًا عن القضاء، لكنه أحد الأدوات التي تخفف العبء عنه وتوفر للمستثمرين حلولًا أكثر مرونة في بعض النزاعات.
وأحد الملفات التي كثيرًا ما تُهمل في هذا السياق هو ملف تنفيذ الأحكام. فالحكم الذي لا ينفذ لا يختلف كثيرًا عن الحكم الذي لم يصدر. والاقتصاد لا يتعامل مع الأوراق، بل مع النتائج.
لذلك فإن جزءًا مهمًا من إصلاح العدالة الاقتصادية يجب أن يتركز على تطوير آليات التنفيذ، وتقليص الفجوة بين صدور الحكم وتحقيق أثره الفعلي على الأرض.
كما أن الدولة تحتاج إلى مراجعة العلاقة بين الإدارة العامة والمستثمرين. فليس من المنطقي أن تقضي الشركات سنوات في نزاعات مع جهات إدارية حول تراخيص أو تخصيصات أو قرارات كان يمكن حسمها بآليات أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
في التجارب الناجحة، أصبحت الوساطة والتسوية المبكرة جزءًا من الثقافة القانونية للدولة. فالغرض ليس زيادة عدد القضايا التي تصل إلى المحكمة، بل تقليل عدد القضايا التي تحتاج أصلًا إلى المحكمة.
مصر الممكنة التي نتطلع إليها في عام 2030 تحتاج إلى عدالة اقتصادية تعتبر نفسها شريكًا في التنمية لا مجرد جهة تفصل في النزاعات بعد وقوعها. تحتاج إلى قضاء اقتصادي سريع، متخصص، مستقل، قادر على مواكبة عالم يتغير كل يوم.
ومن بين الخطوات التي أراها ضرورية في هذا المجال:
تطوير المحاكم الاقتصادية وتوسيع اختصاصاتها.
إنشاء دوائر متخصصة للاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية.
تسريع إجراءات الفصل في المنازعات الاستثمارية.
تحديث منظومة تنفيذ الأحكام.
التوسع في الوساطة والتحكيم المؤسسي.
تبسيط الإجراءات التجارية.
تطوير التدريب الاقتصادي للقضاة.
تعزيز الشفافية ونشر الأحكام الاقتصادية المهمة.
مراجعة التشريعات التجارية بما يتناسب مع الاقتصاد الرقمي.
ربط إصلاح العدالة الاقتصادية بخطط التنمية الوطنية.
لا أرى أن التنمية والعدالة مساران منفصلان. بل أعتقد أن كل تجربة تنموية ناجحة في التاريخ الحديث كانت في جوهرها تجربة عدالة أيضًا. فالمال يبحث عن الأمان، والأمان يبدأ من القانون، والقانون لا قيمة له إذا لم يجد قضاءً يحميه.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ عند توقيع العقد، ولا عند وضع حجر الأساس، ولا عند افتتاح المشروع.
الاستثمار يبدأ من المحكمة.
أو بالأدق: يبدأ من الثقة في المحكمة.
ومصر التي نريدها في 2030 هي مصر التي لا يضطر فيها المستثمر إلى الاختيار بين الفرصة الاقتصادية والأمان القانوني، لأنه يجد الاثنين معًا في دولة تحترم القانون وتثق في العدالة وتبني اقتصادها على أساسهما.
الحلقة القادمة:
مصر الممكنة 2030 (39)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (10)
العدالة والمصالحة الوطنية… كيف تداوي الأمم جراحها؟







