شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: عندما تفسد السياسة… الساحرة المستديرة. مصر الممكنة 2030

لم أكن يومًا من الكتّاب الذين يطاردون نتائج المباريات، ولا من أولئك الذين يقيسون الأيام بعدد الأهداف أو أسماء الهدافين. وعلى امتداد عقود طويلة، ظل اهتمامي منصرفًا إلى السياسة، والقانون، وحقوق الإنسان، وقضايا الحرية والدولة، حتى خُيّل إلى كثيرين أن كرة القدم بعيدة تمامًا عن عالمي. ولذلك، ربما تكون هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أكتب فيها عن الساحرة المستديرة، لا لأنني أصبحت فجأة ناقدًا رياضيًا، بل لأن السياسة نفسها اقتحمت الملعب، وأصبحت الكرة تتدحرج أحيانًا فوق خرائط النفوذ أكثر مما تتدحرج فوق العشب الأخضر.

فالرياضة، في جوهرها، واحدة من أجمل اللغات التي ابتكرتها الإنسانية لتتنافس بلا كراهية، وتختلف بلا دم، وتنتصر بلا احتلال. إنها المساحة التي يتصافح فيها الخصوم بعد صافرة النهاية، ويغادر فيها الخاسر مرفوع الرأس إذا كان قد أدى ما عليه. غير أن التاريخ يخبرنا، في المقابل، أن السياسة كثيرًا ما حاولت اقتحام هذا العالم النبيل، لا لتتعلم منه، بل لتستعير بريقه، وتوظفه في تلميع الأنظمة، أو تصفية الحسابات، أو إعادة رسم صور لا تشبه الحقيقة.

العلاقة بين السياسة وكرة القدم ليست ابنة هذا المونديال، ولا وليدة أزمة عابرة. إنها علاقة تكاد توازي عمر البطولة نفسها. فمنذ أن أدرك الساسة أن الجماهير قد تجتمع حول منتخب أكثر مما تجتمع حول حزب، وأن علمًا يرفرف فوق مدرج قد يكون أبلغ أثرًا من آلاف الخطب، أصبحت كرة القدم جزءًا من القوة الناعمة للدول، وأحيانًا من أدوات الصراع الدولي، بل ومن وسائل صناعة الشرعية أو تعويض غيابها.

لم يكن من قبيل المصادفة أن يبقى مونديال إيطاليا عام 1934 حاضرًا في كتب التاريخ السياسي بقدر حضوره في كتب الرياضة. فقد أدرك موسوليني مبكرًا أن كأس العالم ليست بطولة رياضية فحسب، بل منصة دعائية هائلة تستطيع أن تمنح النظام الفاشي صورة المنتصر أمام الداخل والخارج. ولم يزل المؤرخون يتوقفون أمام الضغوط التي أحاطت ببعض المباريات، وكيف تحولت البطولة إلى جزء من ماكينة الدعاية، حتى مع الاعتراف بأن المنتخب الإيطالي كان يضم لاعبين كبارًا يستحقون الاحترام.

ثم جاءت الأرجنتين، البلد الذي منح العالم واحدة من أجمل مدارس كرة القدم، ليقدم في الوقت نفسه واحدًا من أكثر الدروس تعقيدًا في العلاقة بين الرياضة والسلطة. ففي عام 1978، كانت البلاد ترزح تحت حكم المجلس العسكري، وكانت السجون السرية تمتلئ بالمختفين قسرًا، بينما كانت أمهات ساحة مايو يبحثن عن أبنائهن في صمت موجع، في الوقت الذي كانت فيه كاميرات العالم تنقل احتفالات المونديال من الملاعب نفسها.

لم يكن ذلك التزامن مجرد صدفة تاريخية، بل كان تجسيدًا صارخًا لقدرة السلطة على استخدام الرياضة لإعادة تشكيل صورتها. وحتى اليوم، لا تزال مباراة الأرجنتين وبيرو، التي انتهت بستة أهداف نظيفة، تحيط بها أسئلة لم تتوقف، بعدما ارتبطت باتهامات وضغوط سياسية ظل المؤرخون والباحثون يناقشونها لعقود، لتبقى الكأس الأولى في تاريخ الأرجنتين محاطة، عند كثيرين، بهالة من الجدل لا تقل شهرة عن الإنجاز الرياضي نفسه.

وليس المقصود من استدعاء هذه الوقائع التقليل من قيمة كرة القدم الأرجنتينية، التي أنجبت أساطير خالدة من دييغو مارادونا إلى ليونيل ميسي، وإنما التذكير بأن عظمة اللاعبين لا تعني بالضرورة براءة اللحظة السياسية التي أحاطت ببعض البطولات. فالأمم شيء، والأنظمة شيء آخر، والمنتخبات لا ينبغي أن تُحاكم بجريرة الحكومات، كما لا يجوز أن تتحول إلى ستار يحجب أخطاء السلطة.

ولم تتوقف السياسة عند حدود تنظيم البطولات، بل امتدت إلى المقاطعات الدولية، كما حدث في أولمبياد موسكو عام 1980 وأولمبياد لوس أنجلوس عام 1984، حين تحولت الرياضة إلى امتداد مباشر للحرب الباردة. بل إن التاريخ سجل ما عُرف بـ«حرب كرة القدم» بين السلفادور وهندوراس عام 1969، وهي تسمية تبدو مجازية، لكنها تكشف كيف يمكن لمباراة أن تصبح الشرارة الأخيرة فوق كومة هائلة من الاحتقان السياسي والاجتماعي.

وفي المقابل، قدم التاريخ نماذج مضيئة استخدمت الرياضة لبناء السلام لا لإشعال الصراعات. فدبلوماسية تنس الطاولة بين الولايات المتحدة والصين لم تكن مجرد مباريات، بل كانت بوابة كسرت جدار القطيعة بين القوتين، ومهدت لتحول سياسي غيّر وجه العلاقات الدولية. وبعد سنوات، جاء نيلسون مانديلا ليمنح العالم درسًا آخر، حين جعل من الرياضة جسرًا للمصالحة الوطنية بعد عقود الفصل العنصري، ولم يستخدمها لتجميل سلطة، بل لإعادة بناء وطن.

هنا يتجلى الفارق بين من يستخدم الرياضة لإخفاء جراح الدولة، ومن يستخدمها لمداواة تلك الجراح. الأول يجعلها أداة دعاية، والثاني يجعلها أداة بناء. وبين النموذجين تتحرك معظم تجارب العالم.

وحتى العقود الأخيرة، لم يتوقف الجدل حول تأثير المال والنفوذ والسياسة في المؤسسات الرياضية الكبرى، ولا حول بعض القرارات التحكيمية التي صنعت انقسامات واسعة بين الجماهير. وليس الهدف من استدعاء هذه الوقائع البحث عن نظرية مؤامرة جاهزة، أو تعليق كل هزيمة على شماعة السياسة، فالهزائم كثيرًا ما تكون فنية، والانتصارات كثيرًا ما تكون مستحقة. لكن إنكار أن السياسة تحاول، بين حين وآخر، الاقتراب من المستطيل الأخضر، لا يقل سذاجة عن إنكار تأثير الاقتصاد في السياسة نفسها.

ولعل الحقيقة الأكثر إثارة أن كرة القدم، رغم كل ما تعرضت له من محاولات التأثير، بقيت أكثر عدالة من السياسة. ففي السياسة قد يبقى الفاشل سنوات لأنه يملك السلطة، وقد يرث الابن النفوذ، وقد تنتصر القوة على الكفاءة. أما في كرة القدم، فلا يستطيع أحد أن يطلب من الحكم احتساب هدف لم يعبر خط المرمى، ولا أن يمنح فريقًا بطولة لأنه الأكبر نفوذًا أو الأغنى مالًا. قد تقع أخطاء، وقد يثار جدل، لكن جوهر اللعبة يظل قائمًا على فكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد: الاستحقاق هو الأصل، والقانون هو الحكم، والملعب لا يعترف بالألقاب السابقة.

وإذا كانت هذه هي الصورة العامة للعلاقة بين السياسة وكرة القدم، فإن التجربة المصرية في هذا المونديال تستحق وقفة مختلفة. فالمباراة التي خاضها المنتخب المصري لم تكن، في وجدان ملايين المصريين، مجرد تسعين دقيقة من التنافس الرياضي، بل كانت لحظة وطنية نادرة، استعاد فيها المصريون شعورًا افتقدوه طويلًا؛ شعور الانتماء إلى حلم واحد، والالتفاف حول علم واحد، والتطلع إلى انتصار لا يسأل أحدًا عن انتمائه السياسي أو طبقته الاجتماعية أو موقعه من السلطة أو المعارضة.

لم يسأل أحد في تلك اللحظات من يقف بجواره في المدرج أو أمام شاشة التلفاز: لمن صوت؟ أو ماذا يكتب؟ أو أي موقف يتبناه؟ كانت مصر وحدها هي القضية، وكان قميص المنتخب هو الهوية الوحيدة التي اتفق عليها الجميع. وهذا، في تقديري، أحد أعظم الانتصارات التي تحققها كرة القدم، حتى قبل أن تبدأ المباراة. فهي قادرة على أن تفعل في دقائق ما تعجز عنه السياسة أحيانًا في سنوات؛ أن تجعل المختلفين يتحدثون بلغة واحدة، ويحلمون بالحلم نفسه، ويبكون للسبب نفسه.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن الأداء الذي قدمه المنتخب المصري مجرد أداء رياضي جيد، بل كان إعلانًا بأن الفارق بين الأمم لا يُقاس دائمًا بحجم الميزانيات، ولا بقيمة عقود الاحتراف، ولا بعدد النجوم، وإنما بما يملكه اللاعبون من إيمان، وانضباط، وروح جماعية، وقدرة على تجاوز رهبة الأسماء الكبيرة. ففي بعض المباريات، لا يكون الخصم فريقًا آخر فحسب، بل يكون تاريخًا كاملًا، ومع ذلك ينجح القادمون من خارج دائرة الترشيحات في فرض احترامهم على الجميع.

صحيح أن كرة القدم لا تعترف إلا بالنتيجة النهائية، لكن ذاكرة الشعوب أكثر عدلًا من جداول البطولة. فهي لا تحفظ الكؤوس وحدها، بل تحفظ أيضًا المباريات التي صنعت الإلهام، والفرق التي خرجت مرفوعة الرأس، واللاعبين الذين انتصروا في الضمير الإنساني حتى وإن لم ينتصروا على لوحة النتيجة. كم من منتخب حمل الكأس ثم غاب عن الذاكرة، وكم من فريق خرج من البطولة، لكنه بقي حيًا في وجدان الملايين لأنه لعب بشرف، وأمتع العالم، وأثبت أن الإرادة تستطيع أن تضيق الفجوة بين الإمكانات والطموحات.

وهذا ما رأيناه في تجارب كثيرة؛ من المغرب الذي أعاد الاعتبار لكرة القدم العربية والإفريقية في مونديال قطر، إلى آيسلندا التي علمت العالم أن قلة السكان لا تعني ضآلة الحلم، إلى كرواتيا التي وقفت أكثر من مرة بين كبار اللعبة رغم محدودية مواردها البشرية. تلك المنتخبات لم تنتصر لأنها أغنى أو أكبر، وإنما لأنها امتلكت مشروعًا، واحترمت العلم، واستثمرت في الإنسان قبل أن تستثمر في الملاعب.

وفي المقابل، علمتنا كرة القدم أن التاريخ لا ينزل إلى الملعب مرتديًا قميص أحد. البرازيل سقطت مرات أمام منتخبات لم تكن مرشحة، وألمانيا خرجت من بطولات مبكرًا، وإيطاليا غابت عن كأس العالم، وإسبانيا عرفت مرارة الإقصاء، والأرجنتين نفسها تذوقت الهزيمة أكثر من مرة قبل أن تعود إلى منصات التتويج. وحدها الكرة تقول للجميع إن الأمس لا يضمن الغد، وإن المجد لا يُورث، وإن كل مباراة تبدأ من الصفر.

ومن هنا، فإن أي نقاش حول القرارات التحكيمية أو إدارة المباريات ينبغي أن يبقى في إطار الدفاع عن نزاهة المنافسة، لا في إطار البحث عن أعذار جاهزة للهزيمة. فمن حق أي اتحاد وطني أن يراجع ما أثار الجدل، وأن يطلب تفسيرًا أو تقييمًا فنيًا متى وجد ما يستحق المراجعة. فالشفافية لا تضعف المؤسسات الرياضية، بل تمنحها مزيدًا من الثقة، لأن العدالة لا تخشى التدقيق، والقانون لا يفقد هيبته إذا خضع للمراجعة.

لكن الدرس الأكبر، في تقديري، لا يتعلق بالتحكيم ولا بالنتيجة، بل بما كشفته هذه البطولة عن المصريين أنفسهم. لقد أثبتت أن هذا الشعب، رغم كل ما مر به من استقطاب وإنهاك اقتصادي وسياسي، ما زال قادرًا على أن يجتمع حول قضية وطنية جامعة إذا وجد ما يستحق الالتفاف حوله. وهذه الحقيقة تطرح سؤالًا يتجاوز الرياضة بكثير: لماذا ينجح المنتخب في توحيد المصريين، بينما تعجز السياسة عن تحقيق القدر نفسه من الإجماع؟

لعل الإجابة تبدأ من أن المنتخب لا يطلب من أحد أن يتخلى عن رأيه، ولا أن يبدل قناعته، ولا أن ينتمي إلى معسكر دون آخر. إنه يطلب شيئًا واحدًا فقط: أن يتقدم اسم مصر على كل ما عداه. وهذه هي الفكرة التي تحتاجها السياسة أكثر من أي وقت مضى؛ فالوطن لا يصبح قويًا لأن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وإنما لأنه يتسع لاختلافهم جميعًا تحت راية واحدة.

هنا تذكرت ما كتبته من قبل عن انتقال المصريين من المستطيل الأخضر إلى الوطن. فكلما لعب المنتخب، اكتشفنا أن الانقسام ليس قدرًا، وأن التوافق ليس مستحيلًا، وأن المصريين يملكون طاقة هائلة على الاجتماع إذا وجدوا مشروعًا وطنيًا يحترم عقولهم، ويصون كرامتهم، ويفتح أمامهم أبواب المشاركة بدلًا من أن يغلقها.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعامل مع هذه اللحظة باعتبارها درسًا سياسيًا بقدر ما هي درس رياضي. فكما لا يستطيع فريق أن ينتصر بلا خطة، لا تستطيع دولة أن تتقدم بلا مشروع. وكما أن المدرب الناجح لا يبني فريقه على الولاء الشخصي، بل على الكفاءة، فإن الدول التي تريد المستقبل لا تبنيه بالمحاباة، وإنما بالاستحقاق، ولا تصنعه بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، ولا تحميه بالانقسام، وإنما بالشراكة الوطنية.

وربما كان الدرس الأهم الذي خرجت به من هذه التجربة أن بناء منتخب كبير لا يبدأ من الملعب، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة؛ في المدرسة، وفي مراكز الشباب، وفي الأحياء الشعبية، خاصة في دائرتي الانتخابية باب الشعرية، وفي الأكاديميات، وفي الإدارة التي تحسن اكتشاف الموهبة قبل أن يلتهمها الإهمال. فالمنتخب ليس أحد عشر لاعبًا فقط، بل هو الحصيلة النهائية لمنظومة كاملة من التعليم، والصحة، والثقافة، والإدارة، والعدالة في إتاحة الفرص.

وما يصدق على الرياضة يصدق على السياسة أيضًا. فالدول لا تنهض بالقرارات المرتجلة، كما لا تفوز البطولات بالمصادفة. كلاهما يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، ومؤسسات قوية، واحترام للقواعد، وإيمان بأن النجاح لا يُورث، بل يُبنى يومًا بعد يوم. ولهذا تبدو كرة القدم، في كثير من الأحيان، أكثر صدقًا من السياسة؛ لأنها لا تمنح مكانًا دائمًا لأحد، ولا تعترف إلا بما يقدمه الإنسان داخل الملعب.

لست ممن يطالبون بإبعاد السياسة عن الرياضة على نحو كامل، فذلك لم يعد ممكنًا في عالم أصبحت فيه البطولات الكبرى جزءًا من صورة الدول، ومن أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. لكن ما أرفضه هو أن تتحول الرياضة إلى رهينة للسياسة، أو أن تُستخدم لتجميل الاستبداد، أو لإخفاء أزمات المجتمعات، أو لتبرير غياب العدالة. فالرياضة تزدهر كلما اقتربت من قيم الحرية والشفافية وتكافؤ الفرص، وتذبل كلما خضعت لمنطق القوة والنفوذ.

ولعل أجمل ما علمتنا إياه كرة القدم أنها لا تفرق بين كبير وصغير عند لحظة البداية. صافرة الحكم تمنح الجميع الفرصة نفسها، والقانون يكتب القاعدة ذاتها للجميع، والملعب لا يسأل اللاعب عن دينه، أو لونه، أو طبقته، أو انتمائه السياسي. لذلك أصبحت كرة القدم، رغم كل ما شابها من أخطاء، واحدة من أكثر التجارب الإنسانية اقترابًا من فكرة العدالة.

وإذا كان العالم قد عرف دولًا استخدمت الرياضة لتلميع صورتها، فإنه عرف أيضًا دولًا جعلت منها وسيلة لإعادة بناء المجتمع. وبين هذين الطريقين يبقى الفارق واضحًا: هناك من يجعل المواطن وسيلة لخدمة السلطة، وهناك من يجعل السلطة وسيلة لخدمة المواطن. وفي هذا الفارق تختبئ قصة النجاح الحقيقي لأي أمة.

أما مصر، فقد أثبتت هذه البطولة مرة أخرى أن رصيدها الأكبر ليس في عدد السكان، ولا في التاريخ وحده، وإنما في الإنسان المصري نفسه. ذلك الإنسان الذي ما إن يجد هدفًا يستحق الالتفاف حوله حتى ينسى خلافاته، ويتجاوز استقطابه، ويستعيد أجمل ما فيه من انتماء وإخلاص وأمل. هذه الطاقة الوطنية ليست عابرة، لكنها تحتاج إلى مشروع يوقظها، وإلى إدارة تثق فيها، وإلى دولة ترى في مواطنيها شركاء لا مجرد جمهور.

ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن السياسة كثيرًا ما تنظر إلى الاختلاف باعتباره خطرًا ينبغي احتواؤه، بينما تنظر كرة القدم إلى الاختلاف باعتباره مصدرًا للقوة. فالفريق لا ينتصر لأن جميع لاعبيه متشابهون، بل لأن لكل لاعب دورًا مختلفًا يكمل دور زميله. وكذلك الأوطان؛ لا تزداد قوة بإلغاء التنوع، بل بإدارته في إطار من العدالة والمواطنة والمساواة.

لذلك لم تكن هذه أول مرة أكتب فيها عن كرة القدم فحسب، بل كانت أيضًا مناسبة لاكتشاف حقيقة أعمق: أن المستطيل الأخضر قد يختصر، أحيانًا، ما تعجز عنه عشرات الخطب والبرامج السياسية. ففيه نتعلم أن احترام القانون ليس ضعفًا، وأن المنافسة لا تعني العداء، وأن الخسارة ليست نهاية الطريق، وأن النصر لا يصبح جميلًا إلا إذا كان مستحقًا.

خرج المنتخب من البطولة، لكن مصر لم تخرج من قلوب المصريين. وربما كانت هذه هي النتيجة الأهم التي لا تسجلها لوحات النتائج ولا تحفظها سجلات الاتحاد الدولي، لأنها كُتبت في مكان آخر؛ في وجدان شعب اكتشف، ولو لساعات، أنه ما زال قادرًا على أن يحلم معًا، ويفرح معًا، ويحزن معًا.

ويبقى السؤال الذي أتركه في نهاية هذه الورقة، لا إلى الرياضيين وحدهم، بل إلى كل من يعمل في الشأن العام: إذا كانت مباراة واحدة تستطيع أن توحد أكثر من مائة مليون مصري خلف علم واحد، فمن الذي أقنعنا أن الوطن نفسه أعجز من أن يفعل ذلك؟ وهل مشكلتنا حقًا في الشعب… أم في غياب المشروع الوطني الذي يستحق أن يجتمع حوله هذا الشعب؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى