
على الرغم من توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين الأمريكي والإيراني، التي بموجبها ستستمر الهدنة بين الطرفين لمدة 60 يومًا على الأقل، تجري خلالها مفاوضات حول النقاط الخلافية بين الطرفين، فإن الكثير من المحللين، ونحن منهم، يرون صعوبة استمرار هذا التفاهم متماسكًا لأكثر من أشهر قليلة، فالفجوات القائمة بين الأطراف لا تزال كبيرة، كما أن الملفات الخلافية الرئيسية لم تُحسم بعد، وهو ما يجعل استمرار المفاوضات لفترة طويلة دون التوصل إلى حلول، أو العودة إلى المواجهة العسكرية لاحقًا بعد فترة من التقاط الأنفاس والاستعداد لجولة جديدة، احتمالين أكثر واقعية من الوصول السريع إلى اتفاق نهائي وشامل. وعليه، فإن الهدنة الراهنة ينبغي النظر إليها باعتبارها محطة ضمن مسار الصراع، وليست نهاية له، إذ ستظل التناقضات الاستراتيجية بين الأطراف المختلفة قائمة، بما يبقي احتمالات التوتر والتصعيد حاضرة خلال المرحلة المقبلة.
ويرى عدد من المحللين أن هذا المسار سيؤدي حتمًا لأن يكون الخيار الوحيد أمام الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها من الحرب، خاصة في ظل السعي الإسرائيلي المستمر لتخريب الاتفاق، سيكون عن طريق التواجد الفعلي على الأراضي الإيرانية، أو كما يقال: Boots on The Ground، رغم ما يرتبط بذلك من مخاطر؛ حيث إن استمرار الوضع الراهن انتهاءً بتنفيذ بنود الاتفاق التي تأتي بالكامل في صالح إيران، أو العودة لاستراتيجيات الحرب التي كانت قائمة قبل الهدنة دون طائل، سيعني ببساطة أن إيران انتصرت في الحرب، واستطاعت أن تفرض أجندتها، بصرف النظر عما لحق بها من خسائر فادحة، مما لن تسمح به الولايات المتحدة أو إسرائيل أن يحدث.
في ظل ذلك الأمر، يبرز التساؤل عن شكل مثل هذا التواجد الأمريكي، أو الغزو البري، وكيف يمكن تنفيذه بحيث يمكن أن يتحقق عمليًا على أرض الواقع؟
في 24 يونيو 2026، قدم شيرفان نفتشي، وهو مذيع ومحلل متخصص في شؤون الجغرافيا السياسية، في قناة CaspianReport التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة مهمة ناقش فيها الاحتمالات المتاحة أمام الولايات المتحدة لغزو إيران بريًا إذا انهار اتفاق ترامب مع إيران؛ حيث يقول نفتشي إنه “إذا انهار اتفاق ترامب مع إيران، فسيكون أمام الولايات المتحدة خمسة طرق للدخول إلى إيران”، فضلًا عن طريق سادس من شرق العراق إلى شمال غرب إيران.
خريطة رقم (1) – الطرق المحتملة لغزو إيران
في هذا التقرير، يقول شيرفان نفتشي إنه على الرغم من أن الاتفاق الجديد الذي أبرمه ترامب مع إيران قد أبعد الطرفين عن حافة الهاوية، إلا أنه لم يتمكن من إزالة المشكلة الأساسية. وإذا فشلت الدبلوماسية في الأسابيع أو الأشهر القادمة، فقد لا تتوقف جولة الأعمال العدائية القادمة عند الصواريخ والعقوبات والضغط البحري.
ويضيف أنه على مدى سنوات، كان يُنظر إلى فكرة دخول القوات الأمريكية إلى إيران كخط أحمر لم يكن أحد مستعدًا لتجاوزه، بالنظر إلى التكاليف الباهظة، والمخاطر غير المتوقعة، والمكاسب الغامضة، حيث تبدو إيران للوهلة الأولى كحصن طبيعي. فالجبال تُحيط بمعظم أراضيها، بينما تملأ الصحاري والمسطحات الملحية والأغوار المساحات بينها. ولذلك سيتعين على أي جيش يريد غزو البلاد عبور بعض أصعب التضاريس في الشرق الأوسط قبل الوصول إلى أي من المراكز السكانية في البلاد.
خريطة رقم (2) – التضاريس وطبيعة الأراضي الإيرانية
ويستدرك نفتشي أنه مع ذلك، سيبحث البنتاجون عن حل بديل لتجاوز تلك العقبات. فبدلًا من التوغل عميقًا في الداخل، يرجح نفتشي أن يُركز المخططون الأمريكيون على الساحل الجنوبي لإيران. حيث تضم هذه الرقعة الضيقة من الأرض العديد من أهم الأصول الاقتصادية للبلاد، بما في ذلك محطات النفط والموانئ التجارية والمنشآت العسكرية. كما أنها منطقة يسهل الوصول إليها مباشرة من الخليج العربي وبحر العرب، حيث يمكن للبحرية الأمريكية العمل بسهولة نسبية.
لكن المعضلة هنا أن أي محاولة للاستيلاء على هذه الأراضي ستُمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي بشكل مباشر؛ وأن ما يبدو كخيارات عسكرية قد يتحول بسهولة إلى سلسلة من الالتزامات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وهنا يأتي السؤال: كيف يمكن ممارسة نفوذ على إيران دون غزوها؟ وللإجابة على هذا السؤال، كان أحد الخيارات التي طرحها مسؤولون عسكريون أمريكيون مؤخرًا هو الاستيلاء على مواقع إيرانية استراتيجية وتحويلها إلى نقاط ضغط جديدة. حيث تبرز خمسة مواقع من هذا القبيل، وهي: جزيرة “خارك” اللوجستية لتداول النفط، ومضيق هرمز، وجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وميناء تشابهار الساحلي الجنوبي الواقعة على مدخل خليج عُمان، وأخيرًا منطقة خوزستان، الغنية بالنفط، والواقعة غرب إيران شمال الخليج مباشرة على الحدود مع جنوب شرق العراق.
وعلى الرغم من أن كل موقع من هذه المواقع يوفر منفذًا إلى إيران، إلا أن المثير للاهتمام كثيرًا أنه لا يوفر أي منها طريقًا إلى نصر استراتيجي حاسم.
ويقول التقرير إنه على مدى عقود طويلة، ظلّ احتمال غزو بري أمريكي شامل لإيران أحد أقل الخيارات العسكرية جاذبيةً لواشنطن. وقد اتفقت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والمخططون العسكريون، والمحللون الاستراتيجيون عمومًا على أنه في حين تُمثّل إيران تحديات جيوسياسية كبيرة، فإن احتلالها أو غزوها سيُكبّد واشنطن تكاليف عسكرية وسياسية وبشرية واقتصادية باهظة. وعلى عكس التدخلات الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان، تجمع إيران بين موقع جغرافي صعب، وجيش كبير مُجهّز تجهيزًا جيدًا، وحلفاء إقليميين أقوياء، وعمق استراتيجي كبير.
وقد خفّفت الجهود الدبلوماسية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران من حدة التوترات مؤقتًا، وأبعدت البلدين عن حافة صراع مفتوح. إلا أن الدبلوماسية لم تُنهِ القضايا الجوهرية التي تُفرّق بين واشنطن وطهران. ولا تزال التساؤلات المُحيطة بطموحات إيران النووية، ونفوذها الإقليمي، ودعمها للمنظمات الوكيلة، وتنافسها على الهيمنة في الخليج العربي، تُؤثّر على العلاقات الثنائية.
وفي حال انهيار المفاوضات، قد تُواجه الولايات المتحدة مجددًا المعضلة المألوفة المتمثلة في كيفية الضغط على إيران دون الوقوع في فخ حرب أخرى طويلة الأمد في الشرق الأوسط. أحد المقترحات التي تُناقش بين الحين والآخر في الأوساط الاستراتيجية هو الاستيلاء على مواقع استراتيجية مُختارة بعناية بدلًا من شنّ هجوم فوري على طهران. ويهدف هذا النهج إلى تعظيم النفوذ مع تقليل التكاليف الباهظة لاحتلال البلاد بأكملها.
مع ذلك، ينطوي كل مسار غزو مُحتمل على مخاطر عسكرية وسياسية جسيمة. فكل مسار يُبشّر بمزايا تكتيكية، ولكنه يُنذر أيضًا بالتصعيد إلى صراع إقليمي يشمل دولًا متعددة وقوى وكيلة واضطرابات اقتصادية عالمية.
إيران حصن منيع طبيعيًا
خريطة رقم (3) – العوائق الطبيعية للدخول لقلب إيران من جبال وصحاري ومسطحات ملحية
يقول التقرير إنه لطالما مثّلت جغرافية إيران إحدى أهمّ مزاياها الاستراتيجية. على عكس العراق، الذي سمحت تضاريسه المسطحة نسبيًا لقوات التحالف بالتقدّم السريع خلال حربَي الخليج عامي 1991 و2003، تتمتّع إيران بحماية حواجز طبيعية هائلة. تهيمن السلاسل الجبلية على معظم أراضي البلاد، ولا سيّما جبال زاغروس في الغرب والجنوب الغربي، وجبال البرز في الشمال. وتزيد الصحاري الشاسعة، والمسطحات الملحية، والأهوار، والتضاريس الداخلية الوعرة من تعقيد الحركة العسكرية.
وفي هذه الحالة، فإن أي جيش غازٍ يحاول التوغل عميقًا في إيران سيواجه صعوبات لوجستية جمّة قبل حتى الوصول إلى المراكز السكانية الرئيسية.
وإدراكًا لهذه التحديات، يرى نفتشي أنه من المرجّح أن يتجنّب المخطّطون الأمريكيون شنّ هجوم داخليّ فوريّ. وبدلًا من ذلك، ستركّز الاستراتيجية العسكرية على الأرجح على الساحل الجنوبي لإيران، حيث تتركّز البنية التحتية الاقتصادية الحيوية، ومرافق تصدير النفط، والموانئ، والمنشآت البحرية. ويمكن الوصول إلى هذه المناطق الساحلية من الخليج العربي وبحر العرب، ممّا يسمح للقوات البحرية الأمريكية بتقديم الدعم اللوجستي والقوة النارية.
ومع ذلك، فحتى هذا النهج الذي يبدو أكثر عمليةً يُثير معضلةً استراتيجيةً في حد ذاته. فقد يكون الاستيلاء على أراضٍ على طول الساحل ممكنًا من الناحية العسكرية، لكن الحفاظ على تلك الأراضي مع تحويل النجاح الميداني إلى نفوذ سياسي دائم يُمثل تحديًا بالغ الصعوبة في حقيقة الأمر.
البديل الأول: جزيرة “خارك” شريان الحياة لإيران
من بين جميع الأهداف المحتملة، تُعدّ جزيرة “خارك” ربما الأكثر قيمةً من الناحية الاستراتيجية. فعلى الرغم من صغر مساحتها وعزلتها، تُعدّ جزيرة “خارك” مركزًا رئيسيًا لمنظومة تصدير النفط الإيرانية. إذ يمرّ ما يقارب 90 إلى 95 بالمائة من صادرات النفط الخام الإيرانية عبر محطات التحميل فيها قبل وصولها إلى الأسواق الدولية.
خريطة رقم (4) – جزيرة “خارك” الاستراتيجية
ويعود هذا التركيز في المقام الأول إلى عوامل جغرافية، وليس إلى خيارات سياسية. فمعظم مياه الخليج العربي ضحلة نسبيًا، ما يحول دون اقتراب ناقلات النفط العملاقة من البر الرئيسي بأمان. ولذلك، تنقل إيران النفط الخام من حقول الإنتاج الداخلية عبر خطوط أنابيب إلى جزيرة “خارك”، حيث تسمح المياه العميقة للناقلات العملاقة بالرسو وتحميل حمولتها.
بالنسبة للمخططين الاستراتيجيين الأمريكيين، تُمثّل جزيرة “خارك” فرصة سانحة. فالسيطرة عليها كفيلة بتقليص عائدات النفط الإيرانية بشكل كبير دون الحاجة إلى غزو واسع النطاق للبر الرئيسي الإيراني. إلا أن الأهمية التي تجعل من خارك هدفًا عسكريًا جذابًا تجعلها أيضًا بالغة الخطورة.
فتعطيل منشأة تصدير النفط الرئيسية في إيران سيُحدث تداعيات فورية في أسواق الطاقة العالمية. ومن المرجح أن ترتفع أسعار النفط، وأن تتأثر حركة الشحن الدولية، وأن تستعد دول الخليج المجاورة لأي رد فعل محتمل. ومن شبه المؤكد أن إيران سترد بعمل عسكري، ربما يستهدف الملاحة في الخليج، أو البنية التحتية النفطية الإقليمية، أو حلفاء الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، قد تتحول عملية كانت تهدف في البداية إلى تعزيز النفوذ الأمريكي إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا ذات تداعيات اقتصادية عالمية. لذا، تُجسد جزيرة “خارك” سمة متكررة في أي سيناريو غزو: النجاح التكتيكي قد يُفضي إلى زعزعة الاستقرار الاستراتيجي.
البديل الثاني: السيطرة على مضيق هرمز
إذا كانت جزيرة “خارك” تُمثل الشريان الاقتصادي لإيران، فإن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم. تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية عبر هذا الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب. وأي اضطراب فيه يؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
للوهلة الأولى، يبدو تأمين المضيق أمرًا بسيطًا. لكن في الواقع، هو من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا على الإطلاق. لكن المضيق ليس هدفًا واحدًا يمكن احتلاله بسهولة، بل هو عبارة عن شبكة مترابطة من الممرات المائية والسواحل والجزر ومواقع الصواريخ والمنشآت البحرية والمواقع الدفاعية الممتدة على مساحة واسعة.
ولممارسة سيطرة فعّالة، ستحتاج القوات الأمريكية إلى تحييد المنشآت العسكرية الإيرانية الرئيسية، بما في ذلك بندر عباس وجزيرة قشم. تُشكل هذه المواقع مكونات أساسية لشبكة الدفاع الساحلي الإيرانية، ولا يمكن تجاوزها بسهولة. وحتى في حال الاستيلاء على هذه الأهداف بنجاح، فإن الحفاظ على السيطرة سيتطلب التزامًا عسكريًا طويل الأمد.
خريطة رقم (5) – مسارات مضيق هرمز وجزر طنب وأبو موسى الكبرى والصغرى
وجدير بالذكر أن إيران تمتلك قوة صاروخية واسعة النطاق قادرة على استهداف المواقع الأمريكية باستمرار. ويشمل ترسانتها صواريخ باليستية وصواريخ كروز وأنظمة دفاع ساحلية ومدفعية صاروخية قادرة على تحمل ضغط مستمر. وفي البحر، تمتلك البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني مئات الزوارق الهجومية السريعة المصممة خصيصًا لشن هجمات جماعية ضد السفن الحربية الأكبر حجمًا.
وبدلًا من مواجهة البحرية الأمريكية عبر معارك بحرية تقليدية، من المرجح أن تلجأ إيران إلى سيناريو حرب غير متكافئة، بشن هجمات متكررة تهدف إلى إضعاف القوات الأمريكية تدريجيًا. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يتحول تأمين مضيق هرمز من عملية عسكرية محدودة إلى حملة طويلة الأمد ذات تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة.
البديل الثالث: جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى
يدعو بعض صناع القرار في الولايات المتحدة أحيانًا إلى أهداف أكثر محدودية تهدف إلى تجنب احتلال واسع النطاق مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي. وفي هذا الإطار، ومن بين الخيارات التي تُناقَش بكثرة ثلاث جزر متنازع عليها مع الإمارات بالقرب من مدخل الخليج العربي، وهي جزر: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى. وتحتل هذه الجزر مواقع استراتيجية مهمة تُشرف على حركة الملاحة البحرية الداخلة والخارجة من الخليج.
وقد تتضمن أي عملية عسكرية مفترضة قيام قوات مشاة البحرية الأمريكية بالسيطرة السريعة على الجزر، وإعادة تأهيل المطارات، وإنشاء مواقع دفاعية، وبناء قواعد عمليات أمامية مدعومة من خلال منشآت أمريكية قريبة في الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
من الناحية النظرية، يبدو هذا الأمر أسهل بكثير من غزو البر الإيراني الرئيسي. لكن الواقع سيثبت عكس ذلك تمامًا. فقد أظهرت الصراعات الإقليمية الأخيرة قدرة إيران المتنامية على ضرب المنشآت العسكرية الثابتة في جميع أنحاء الخليج. وقد ألحقت الهجمات الصاروخية أضرارًا كبيرة بأنظمة الرادار والدفاعات الجوية والبنية التحتية العسكرية التي كانت تُعتبر سابقًا آمنة نسبيًا.
وإذا ثبت أن القواعد الأمريكية المحصنة جيدًا في شبه الجزيرة العربية ضعيفة تجاه الهجمات الصاروخية الإيرانية، فمن المرجح أن تواجه الحاميات المعزولة في الجزر، إذا تمت السيطرة عليها، مخاطر أكبر. وفي هذه الحالة، فبإمكان إيران ممارسة ضغط مستمر بالصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة والبحرية ضد أي قوة احتلال لهذه الجزر.
ومن التطورات المثيرة للاهتمام بشكل خاص استخدام إيران المتزايد للطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية؛ فعلى عكس الطائرات المسيّرة التقليدية التي يتم التحكم بها عبر إشارات الراديو، تعتمد هذه الأنظمة على كابلات من الألياف الضوئية تمتد لعشرات الكيلومترات إلى مشغليها. وبسبب اتصالها بالكابلات، لا تستطيع أنظمة الحرب الإلكترونية التشويش على توجيهها، أو حتى رصدها.
وعند نشرها بأعداد كبيرة، يمكن لهذه الطائرات المسيّرة أن تُربك الأنظمة الدفاعية الأمريكية وتُلحق خسائر فادحة بالوحدات البحرية المعزولة. لذلك، فبينما قد يكون الاستيلاء على الجزر ممكنًا من الناحية العملياتية، إلا أن استدامة الاحتلال لها قد تصبح باهظة التكلفة.
البديل الرابع: تشابهار- البوابة الهادئة
مقارنةً بالخليج العربي شديد التحصين، يبدو الساحل الجنوبي الشرقي لإيران أقل تهديدًا بكثير. تقع مدينة تشابهار على مدخل خليج عُمان، وهي الميناء الرئيسي الوحيد لإيران ذو المياه العميقة والمُطل على المحيط الهندي. ويُوفر موقعها المنعزل نسبيًا مزايا عسكرية مُعينة. وعلى عكس العمليات قرب مضيق هرمز، من المُرجح أن يواجه الإنزال البرمائي في تشابهار عقبات أقل فورية ومخاطر أقل لتصعيد إقليمي فوري.
خريطة رقم (6) – مسارات جنوب إيران
ومع ذلك، تُعاني تشابهار من نقطة ضعف استراتيجية رئيسية. فهي ببساطة بعيدة جدًا عن مراكز القوة السياسية والاقتصادية في إيران. وسيمنح الاستيلاء على الميناء القوات الأمريكية موطئ قدم مبدئي، لكنه لن يمنحها نفوذًا يُذكر على طهران. ولتحويل هذا النجاح المحدود إلى ميزة استراتيجية حقيقية، ستحتاج القوات الأمريكية في نهاية المطاف إلى التوغل في الداخل عبر مئات الكيلومترات من التضاريس الوعرة. وسيؤدي هذا التقدم إلى تعريض القوات لتحديات لوجستية متزايدة التعقيد، مع توسيع نطاق الصراع في الوقت نفسه.
في الواقع، يُمثل ميناء تشابهار المعضلة الكلاسيكية المتمثلة في الفرصة التكتيكية التي تفتقر إلى العائد الاستراتيجي. فقد يوفر نقطة دخول أسهل، لكنه لا يُقدم أي طريق مختصر لتحقيق أهداف سياسية حاسمة.
البديل الخامس: خوزستان – المسار البري الأكثر ترجيحًا للغزو
خريطة رقم (7) – مسارات خوزستان شمالًا ومضيق هرمز وجزر طنب وأبو موسى الكبرى والصغرى
من بين الخيارات الخمسة، تُعدّ محافظة خوزستان، بلا شك، المسار الأكثر عملية لغزو بري واسع النطاق. حيث تقع المحافظة على حدود العراق والكويت، وتضم بعضًا من أغنى حقول النفط الإيرانية، كما أنها موطن لعدد كبير من السكان العرب.
خريطة رقم (8) – منطقة خوزستان في إقليم الأهواز شمال الخليج
ويعني قربها من الكويت أن القوات الأمريكية يُمكنها شنّ عمليات عبر المنشآت العسكرية الأمريكية القائمة قبل عبور الحدود إلى العراق والتقدم نحو جنوب غرب إيران. ومن المفارقات العجيبة أن مسار الغزو هذا يُشبه إلى حد كبير المسار الذي سلكه صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية. إلا أن البيئة الاستراتيجية اليوم تختلف اختلافًا جذريًا عن بيئة ثمانينيات القرن الماضي.
فأي تقدم أمريكي سيضطر أولًا إلى عبور جنوب العراق، حيث تتمتع قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران بنفوذ واسع. ويبلغ عدد مقاتلي هذه المنظمات مجتمعةً أكثر من 200 ألف مقاتل، وفقًا لتقديراتها. وبدلًا من التوجه مباشرةً نحو إيران، يُمكن للقوات الأمريكية أن تنخرط في صراع منفصل تمامًا داخل العراق قبل حتى الوصول إلى الحدود الإيرانية.
وقد تُحوّل الحرب بالوكالة، والهجمات على جوانب الطرق، والضربات الصاروخية، والقتال في المدن، جنوب العراق إلى ساحة معركة رئيسية أخرى. لذلك، فرغم أن خوزستان ربما تُعدّ أقصر الطرق إلى مناطق إيران النفطية القيّمة، إلا أنها تُعرّض القوات الأمريكية في الوقت نفسه لبعضٍ من أخطر المخاطر العملياتية.
على جانب آخر، فإنه من الممكن أن تكون الأحداث التي تجري في العراق في الوقت الراهن من اعتقالات بداعي الفساد مدفوعة أمريكيًا بهدف السعي لإحداث تغييرات على المشهد العراقي في غير صالح إيران قبل غزو بري محتمل؛ وقد تؤدي، في حالة تنامي الاعتقالات لتنال أطرافًا من الوزن الثقيل، إلى إثارة قدر من الفوضى يشغل الميليشيات المسلحة المدعومة إيرانيًا عن أجندة عسكرية أمريكية بالهجوم على إيران، خاصة في ظل بعض التقارير التي تتحدث عن حشد نحو 60 ألفًا من القوات الأمريكية للمشاركة في غزو بري لاحق لإيران.
البُعد الكردي
هناك متغير آخر قد يُؤثر بشكلٍ كبير على أي غزو محتمل، وهو السكان الأكراد في إيران. حيث تنشط عدة منظمات كردية مسلحة على طول الحدود الغربية لإيران، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، وحزب الحرية الكردستاني، وفصائل كومالا، وجماعات مسلحة أخرى.
ويرى بعض المحللين أن هذه المنظمات قد تُكثّف عملياتها خلال أي غزو أمريكي محتمل، مما قد يوسع مسار الغزو ليشمل المسار رقم 6 على الخريطة رقم 1، مما يُجبر إيران على تقسيم مواردها العسكرية على جبهات متعددة. قد يعني هذا أن هذه الاستراتيجية قد تُعقّد تخطيط الدفاع الإيراني.
ومع ذلك، ينطوي العامل الكردي على قيود مهمة، من المهم الإشارة إليها؛ حيث تختلف المنظمات المختلفة اختلافًا كبيرًا في الحجم والقدرات والأيديولوجية والأهداف السياسية؛ وليس بالضرورة أن تُشارك جميعها في انتفاضة واسعة النطاق ضد الحكومة الإيرانية.
وبالإضافة إلى ذلك، فلدى حكومة إقليم كردستان العراق دوافع قوية لتجنب التورط في حرب إقليمية أخرى قد تستدعي ردًا إيرانيًا. كما تُمثّل تركيا عائقًا رئيسيًا آخر. فإن اتساع نطاق الصراع الكردي يُنذر بامتداده عبر الحدود إلى الأراضي التركية، وهو أمر تعارضه أنقرة بشدة بغض النظر عن الاعتبارات الجيوسياسية الأوسع.
كما قد تستدعي الجماعات الكردية تجربة ذات مآلات سيئة مع الدعم الأمريكي، بعدما تخلت الولايات المتحدة عن الدعم السابق لميليشيات قسد وأقامت علاقات متينة مع النظام السوري الجديد على حسابها، بناءً على حسابات المصالح التي تتناقض مع ديمومة التحالفات.
ولعل الأهم من ذلك، أن الدعم الأمريكي العلني للحركات الكردية المتمردة قد يُعزز الوحدة الوطنية الإيرانية بدلًا من إضعافها. ففي مواجهة التدخل الأجنبي والعنف الانفصالي، قد يلتف العديد من الإيرانيين حول الحكومة المركزية رغم الخلافات السياسية القائمة. وبهذا المعنى، فإن توظيف الجماعات الكردية قد يُعزز، دون قصد، شرعية طهران الداخلية في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تقويضها.
وعلى أي حال، فلم يكن للجماعات الكردية الإيرانية تأثير يذكر عند بداية الحرب على إيران في آخر فبراير 2026، بعكس ما كان سائدًا وقتها من تصورات عن دور بارز ممكن لهذه الجماعات، حسبما كان يروج لذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإقناع الرئيس ترامب بالمضي قدمًا في شن الحرب.
النجاح التكتيكي مقابل النصر الاستراتيجي
بالنظر إلى هذه الخيارات الخمسة وتفحصها عن كثب، نجد أن كل مسار غزو مُقترح يُقدّم نوعًا من المزايا التكتيكية، وليس الاستراتيجية. فجزيرة “خارك” تمثل تهديدًا لصادرات النفط الإيرانية؛ ويؤثر مضيق هرمز على التجارة البحرية العالمية؛ وتُوفر جزر الخليج مواقع عمليات أمامية؛ بينما يُتيح ميناء تشابهار دخولًا سهلًا نسبيًا؛ وتُشكل خوزستان أقصر طريق نحو أراضٍ ذات قيمة اقتصادية.
ومع ذلك، فالحقيقة أنه لا يُوفر أيٌ منها مسارًا واضحًا نحو إمكانية تحقيق نصر استراتيجي حاسم. بل على العكس تمامًا، يحمل كل منها مخاطر جسيمة للتصعيد. فستظل القوات الأمريكية التي تحتل أيًا من هذه المواقع عُرضةً للصواريخ الإيرانية، والطائرات المُسيّرة، والهجمات البحرية، والألغام، والمنظمات الوكيلة. وحتى عمليات الإنزال الأولية الناجحة قد تتطور إلى احتلالات مُطوّلة تتطلب تعزيزات مُستمرة، مع تحقيق مكاسب سياسية غير مؤكدة.
الواقع أن التاريخ العسكري يُثبت أن الاستيلاء على الأراضي لا يُمثل سوى بداية الحملة وليس نهايتها. حيث يكمن التحدي الأصعب في الحفاظ على السيطرة، وإدارة التصعيد، والحفاظ على الدعم السياسي الداخلي، وفي نهاية المطاف تحويل النجاح العسكري إلى نتائج سياسية مُستدامة.
الخلاصة
لا يزال احتمال غزو أمريكي لإيران يثير اهتمام وتفكير المخططين العسكريين الأمريكيين، لأنه يمثل إحدى أكثر المعضلات الاستراتيجية تعقيدًا في الجغرافيا السياسية المعاصرة. فالواقع أنه لا يمكن إجبار إيران بسهولة على الاستسلام تحت التهديد؛ ومع ذلك، فإن غزوها ينطوي على مخاطر تفوق بكثير تلك التي واجهتها التدخلات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط.
وتُجسد مسارات الغزو الخمسة المحتملة التي تناولناها في هذا التقرير – جزيرة “خارك”، ومضيق هرمز، وجزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى، وتشابهار، وخوزستان – هذه المعضلة بوضوح. حيث يوفر كل مسار منها وسيلة محتملة للضغط على طهران، لكن لا يوفر أي منها طريقًا مباشرًا للنصر على الإطلاق.
بل على العكس، يُدخل كل مسار من هذه المسارات نقاط ضعف جديدة، ويعرّض القوات الأمريكية لسيناريو حرب غير متكافئة، من جانب إيران، ويزيد من احتمالية التصعيد الإقليمي الذي يشمل الدول المجاورة والمنظمات الوكيلة لإيران.
في الحقيقة، تضمن جغرافية إيران، وقدراتها العسكرية، وشراكاتها الإقليمية، وقدرتها على خوض حروب غير متكافئة، أن أي غزو سيختبر كل هذه العوامل في آن واحد. وبينما يستطيع المخططون الأمريكيون تحديد نقاط الدخول المحتملة لهذه المسارات والأهداف التكتيكية للحملة، إلا أنهم لا يستطيعون تجاهل حقيقة أن دخول إيران قد يكون ممكنًا، لكن السيطرة على الأحداث بعد ذلك ستكون بالغة الصعوبة.
ولهذا السبب، يرى الكثير من الخبراء في الولايات المتحدة أن الدبلوماسية – مهما كانت غير كاملة – خيارًا أقل تكلفة بكثير من الحرب. وكما أثبت التاريخ مرارًا، فإن الخطوة الأولى في الصراع غالبًا ما تكون الأسهل، وإنما يكمن التحدي في إيجاد طريق للخروج منه.
إلا أن هذا الخيار ينطبق على الصراعات العادية بين الدول حول الحدود أو الموارد أو أية أسباب أخرى، بينما في الحروب التي تهدف بالأصل لتحقيق تحولات جوهرية في الخرائط وأنظمة الحكم، وإحداث قدر كبير من الفوضى يسمح بذلك، فإن الدبلوماسية لا يمكنها تحقيق هذه الأهداف، ويبقى خيار الحرب الشاملة والمدمرة الخيار الوحيد المتاح، رغم ما فيه من مخاطر. ومع ذلك فقد أثبتت الولايات المتحدة في كل مرة خاضت فيها الحروب على مدار 60 عامًا على الأقل أنها كانت تعتقد بإمكانية حسمها بالقوة العسكرية الباطشة، إلا أن الأمر ينتهي بها إلى هزائم مذلة وانسحابات مهينة، مهما طال الوقت، بعد وقوعها في نفس الأخطاء باللجوء للغزو البري وإدخال القوات على الأرض، وتشهد على ذلك فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها.
بناءً على ذلك التاريخ، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد أن الولايات المتحدة ستغير من سلوكها، خاصة وأن هناك لاعبًا رئيسًا، إسرائيل، يهدف أيضًا من هذه الحرب لتحقيق تغيرات كبرى في المنطقة، تنتهي بفرض هيمنتها عليها، وله من التأثير على أمريكا وقياداتها ما سيدفعها إلى الهاوية، وقد يكون القشة التي ستقصم ظهر بعير الإمبراطورية الأمريكية وهيمنتها على العالم.
المصدر : المعهد المصرى للدراسات







