مقالات وآراء

د. محمد عماد صابر يكتب: بين غضبتين: حين تضل البوصلة وتغيب موازين العدل

ثمة مشاهد في حياة الأمم تستوقف الناظر بعمق، لا لأنها غريبة، بل لأنها تكشف عن خلل كامن في بوصلة الشعور وجوهر القيم. نرى ملايين القلوب تنتفض عصبية، وتغلي المشاعر صخبًا وتحسرًا من أجل صافرة حكم جارت في مباراة لكرة القدم، أو فرصة ضاعت في ملعب لم يدم التنافس فيه إلا لساعتين من زمن عابر. وباسم الحق المشروع في رفض الضيم، يعلو الصراخ وتشحذ الهمم.

وهنا تبرز المفارقة الصادمة التي تخشع لها النفوس الحية: إن كان من حق الشعوب المصرية والعربية والإسلامية أن تغضب لأي ظلم، وتستنكر كيل المعايير الغربية المزدوجة التي تبخس الحقوق، فكيف يغيب هذا الغضب، أو يتوارى خجلًا، عن المظالم الكبرى التي تهتز لها السماوات والأرض؟

كيف لا تكون فلسطين وهي تنزف شهداء وقتلى وجرحى، يومًا بعد يوم، هي مبتدأ الغضب ومنتهاه؟ كيف لعين أن تبكي عملًا رياضيًا خاسرًا، بينما دماء الأبرياء وأنين الأطفال والثكالى في غزة وقرى فلسطين يستصرخان ضمير الإنسانية والأخوة صباح مساء؟ إن الغضب لأجل فلسطين ليس ترفًا شعوريًا، بل هو عقيدة انتماء وواجب لا يسقط بالتقادم.

وحين ارتد البصر نحو مصر الحبيبة، يتجسد الألم في فصول ممتدة من غصص الفقد والتغييب. كيف يمر الإنسان عابرًا فوق حكايات الشرفاء والأحرار الذين دفعوا أثمانًا باهظة من أعمارهم ودمائهم؟ كيف ننسى دماء الشهداء الذين سقطوا في الميادين، وعذابات المعتقلين الذين طال بهم الأمد خلف القضبان لسنوات عجاف، والمطاردين الذين هاموا في المنافي محرومين من دفء الأوطان ورؤية الأحباب في لحظات الرحيل؟ إن صبر أسرهم، ومعاناتهم في مواجهة التشويه والجور، هو مظلمة حية تنبض في جسد الأمة، وتستوجب حزنًا طويلًا وغضبًا عميقًا ينتصر للإنسان وحريته.

إن التبلد في مواطن الظلم الكبرى، والانفعال المبالغ فيه في مواطن اللهو والتسلية، يعكس خللًا نفسيًا وحضاريًا خطيرًا. وسؤال الكون الذي لا يغفل عنه مؤمن هو: كيف نحوز التوفيق في أي شيء، حتى لو كان كرة قدم، وفي رقابنا وعالمنا كل هذه المظالم الصارخة؟

إن التوفيق لا يُحجب عن الأمة بفعل الظالمين وحدهم، بل بصمت الصامتين وتبرير الخانعين؛ فالأمة التي ترى الجور يقع بين ظهرانيها، وتشاهد الشرفاء يسامون سوء العذاب، ثم تلوذ بالصمت طلبًا للسلامة أو انشغالًا بالهامش، تصبح شريكة في إثم الظلم بقعودها. إن السكوت عن ظلم الظالمين بيننا يُنزل شؤمًا عامًا يفسد البركة، ويحبس مدد السماء؛ فحين تتبلد العقول والقلوب عن نصرة المظلوم المقرب، ترفع العدالة الإلهية يد التوفيق عن المجموع، ليذوق الجميع مرارة الخذلان حتى في أتفه تفاصيل حياتهم. وكيف يُستجاب لأمة أو يُكتب لها فلاح، وفيها من يرى الحق مهضومًا فلا ينطق، ويرى الباطل ممتطيًا فلا يدفع؟! إنها سنة كونية: “إذا رأت أمتي الظالم فلم تأخذ على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده”، وأي عقاب أشد من حرمان التوفيق والتيه في دروب الحيرة؟

إن التوفيق ليس صدفة رياضية، ولا حظًا عابرًا؛ التوفيق مدد رباني، وبركة تتنزل على الأمم التي تقيم العدل، وتنصر المظلوم، وتعرف مقادير الرجال والتضحيات. أما الأمة التي تنقلب موازينها، فتغضب للعبة وتصمت عن الدم، وتحزن لخسارة كأس وتبتسم فوق جراح المظلومين، فإنها تحرم التوفيق بسنة الله في خلقه.

إن دعوة الحق اليوم ليست دعوة لترك الحياة أو ملاعبها، بل هي صرخة لإعادة ترتيب الأولويات في القلوب. ليكن في ملاعبنا جهد، ولكن ليكن في مشاعرنا تقديس لدم الشهيد، وحرية المعتقل، وآهات المهجرين.

حين تعود للغضب قيمته الحقيقية، وحين يتجه صوب جراح فلسطين المجيدة وآلام مصر الحبيبة، حينها فقط، تعود للأمة بركتها، ويتنزل التوفيق في جدها ولهوها، لأنها أصبحت أمة تستحق النصر بميزان العدل لا بميزان الصدفة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى