مقالات وآراء

د. هاله عبد العزيز تكتب: الهدوء المريب: عندما يصبح “الأمان الموهوم” كفنًا لواقع يحتضر

في الشوارع حركة طبيعية، والمقاهي مكتظة، والشاشات تضج بالصخب، والناس يمارسون تفاصيل حياتهم بنوع من الاستسلام البارد.

في الظاهر يبدو كل شيء مستقرًا؛ نتنفس الصعداء في نهاية اليوم لمجرد أن الموت أو الخراب لم يطرق بابنا الشخصي بعد.

لكن ذلك ليس أمانًا… بل وهم متقن الصنع.

إنه الهدوء الذي يسبق الانهيار، أو ربما الهدوء الذي يعقب الاستسلام لمرض ظل ينخر في الجسد حتى فقد الإحساس بالألم.

خلف هذا المشهد المطمئن، وخارج المستطيل الأخضر الذي تستنزف داخله العقول بالمباريات والصخب اليومي، تدار مباراةٌ أخرى. مباراة لا تعترف بقواعد اللعب النظيف، بل تحكمها موازين القوة، وشبكات المصالح، وحسابات النفوذ.

تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الخانقة، تُمرر سياسات وتشريعات تُفصل على مقاس فئات بعينها، فتزداد نفوذًا وتغولًا، بينما تُدفع فئات أخرى إلى الهامش في صمتٍ لا يسمعه أحد.

ولم يعد الخلل التشريعي مجرد انحياز في ميزان العدالة، بل تحول إلى بوابةٍ مفتوحة تعبر منها كل صور القبح؛ من الفساد المنظم، والسرقة المقننة، والنصب الذي يرتدي ثوب الاستثمار، إلى جرائم القتل وهتك الأعراض واستباحة الحقوق تحت مظلة العجز أو الحماية أو الإفلات من المساءلة.

لكن الأكثر رعبًا ليس حجم الجرائم، بل مقدار الطمأنينة التي تُرتكب بها.

أن ينام الفاسد قرير العين، وأن يمارس اللص والمنتفع والمتلاعب أدوارهم بلا خوف، وأن تُمرر الكارثة تلو الأخرى وكأنها أمرٌ اعتيادي… تلك ليست علامة على الاستقرار، بل إعلان صريح بأن ميزان الردع قد اختل.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فالأمان الذي يعيشه العابثون ليس دليلًا على قوة الدولة أو سلامة المجتمع، وإنما أخطر مؤشر على تراجع سلطة المحاسبة، وانحسار هيبة القانون، واهتزاز الضمير الجمعي.

لقد بلغنا المرحلة الأكثر قسوة، مرحلة فقدان الأمل.

حين يرى المواطن البسيط أن الفاسد لا يُحاسب بل يُكافأ، وأن المعتدي لا يُردع بل يجد في الثغرات ملاذًا، يتسلل اليأس إلى النفوس بصمتٍ أشد فتكًا من أي أزمة اقتصادية أو سياسية.

عندها لا يفقد الإنسان ثقته في مؤسسة بعينها، بل يفقد إيمانه بأن العدالة يمكن أن تصل، وأن الغد قد يحمل إصلاحًا، وأن القانون ما زال قادرًا على حماية الضعيف.

وحين يموت هذا الإيمان، يتحول المجتمع من كيانٍ حي يحرس قيمه، إلى جمهورٍ صامت يراقب سقوطه من الصفوف الخلفية، منتظرًا أن يأتي دوره في طابور السحق.

وفي الفقه القانوني، لا تكمن الخطورة في وجود المجرم، وإنما في شعوره بالأمان.

فإذا أمن العقاب، لم يعد مجرد جانٍ يخالف القانون، بل تحول إلى سلطةٍ موازية تُعيد تشكيل المجتمع بمنطق القوة، وتغتال أمنه الحقيقي من الداخل.

إن الأمان الذي ينعم به العابثون هو الخطر الوجودي الذي يهدد الجميع.

أما صمت الشرفاء، وتعلقهم بوهم “الأمان الفردي المؤقت”، فليس حماية لأنفسهم، بل مشاركة، ولو بالصمت، في نسج الكفن الذي يلتف حول مستقبل الوطن.

فالمجتمعات لا تسقط لأن الشياطين أقوى، بل لأنها تصل إلى اللحظة التي يفقد فيها الشرفاء إيمانهم بجدوى المواجهة، فينسحبون من ساحات الرقابة والمساءلة، ويتركون المجال مفتوحًا لكل من احترف العبث.

وعندها يصبح “الأمان” مجرد لافتةٍ مخادعة، معلقة على بيتٍ تصدعت جدرانه، ولم يبقَ إلا انتظار اللحظة التي ينهار فيها سقفه فوق الجميع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى