
تبدو الكراهية اليوم وكأنها واحدة من أكثر الظواهر حضورًا في المشهد العام، ليس بوصفها انفعالًا بشريًا عابرًا، بل كقوة تُدار وتُنمّى وتُعاد صياغتها في سياقات متعددة، و ما يثير الانتباه أن هذا الشعور السلبي لم يعد يظهر تلقائيًا، بل بات يُقدَّم للجمهور كمنتج جاهز، تُصنع له بيئة مناسبة، وتُبنى حوله سرديات تُسهّل انتشاره، و في عالمنا المأزوم هذا حيث تتسارع الأزمات، وتزداد الحاجة إلى تفسير كل ما يحدث، تجد الكراهية طريقها بسهولة إلى الوعي العام، لأنها تمنح بعض الناس يقينًا سريعًا في عالمٍ يزداد غموضًا وتعقيدا.
ففي المجال الإعلامي مثلا، تتخذ الكراهية شكلًا جديدًا، إذ تتحوّل إلى مادة قابلة للتسويق. المنصات الرقمية والحسابات الشخصية، والتي تعمل وفق منطق اقتصاد الانتباه، تدفع المحتوى الأكثر إثارة للغضب إلى الواجهة، لأن الغضب يضمن تفاعلًا أعلى، وبالتالي أرباحًا أكبر، وهكذا يصبح الخطاب العدائي جزءًا من دورة إنتاج يومية، تُعاد فيها صياغة الأحداث بطريقة تُحفّز الانفعال بدل الفهم. هنا ذلك النوع من الإعلام لا يكتفي بنقل الكراهية؛ بل يساهم في صناعتها عبر اختيار ما يسلّط عليه الضوء، وكيف يقدّمه، ولمن يوجّهه من جمهور.
أما في السياسة، فتأخذ الكراهية شكلًا أكثر تنظيمًا. الاستقطاب الحادّ يجعل وجود “عدو” ضرورة، لا خيارًا. حيث تُبنى سرديات تُقسّم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، وتُغذّى المخاوف الجماعية بخطابٍ يَعِد بالحماية من تهديد دائم، و في هذا السياق، تصبح الكراهية أداة تعبئة فعّالة، تُستخدم لضمان الولاء، وحشد الأصوات، وإسكات الأسئلة التي قد تُربك المشهد السياسي، هنا الكراهية ليست انفعالًا سياسيًا، بل استراتيجية تُستخدم بوعي كامل.
ويأتي التضليل ليشكّل المختبر الذي تُصنع فيه صورة “الآخر” عبر التكرار والانتقاء والتضخيم، يُعاد تشكيل صورة جماعة أو فرد بحيث يصبح أقرب إلى فكرة مجردة، لا إنسانًا له حياة وتجارب. التجريد من الإنسانية يجعل الكراهية أسهل، لأن الإنسان حين يتحوّل إلى رمز أو تهديد، يصبح التعامل معه جزءًا من سردية أكبر، لا علاقة لها بواقعه الحقيقي، و بهذه الأدوات، تُبنى صورة العدو، وتُقدَّم للجمهور كحقيقة لا تحتاج إلى تمحيص.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا نشتري الكراهية؟
لأنها تمنحنا ما نفتقده في هذا الزمن المضطرب: يقينًا سريعًا، وانتماءً واضحًا، وتفسيرًا جاهزًا لفوضى لا نفهمها. الكراهية تُشعر البعض بأنهم “يعرفون” ما يجري، حتى لو كان ما يعرفونه مجرد سردية مصنوعة بعناية. إنها تمنح شعورًا بالقوة في لحظة ضعف، وبالانتماء في زمنٍ تتراجع فيه الروابط الاجتماعية التقليدية.
وفي رأيي أن ما يجعل الكراهية خطيرة اليوم، ليس وجودها، بل تنظيمها، حين تُدار المشاعر السلبية كصناعة، يصبح من الصعب تفكيكها لأنها لم تعد مجرد ردّ فعل، بل جزءًا من بنية اقتصادية وسياسية وإعلامية. الكراهية تُنتَج بكفاءة، وتُسوَّق بمهارة، وتُستهلك بلا مقاومة، وهذا ما يجعلها أكثر حضورًا من أي وقت مضى، وما لم ندرك أنها تجارة، سنظل نستهلكها دون أن ننتبه أننا ندفع ثمنًا باهظًا من قدرتنا على الفهم، ومن قدرتنا على رؤية الآخر كما هو، لا كما يُقدَّم لنا.







