تاريخ حزب الوفد الليبرالي من النشأة وحتى رحلة النضال الوطني الطويلة

تستعيد الذاكرة الوطنية في هذا التقرير تفاصيل ميلاد حزب الوفد الليبرالي الذي غير مجرى الأحداث السياسية في البلاد منذ عام 1918 ميلادي، حيث تبلورت فكرة الدفاع عن استقلال الأمة في أذهان رموز النضال الوطني بقيادة سعد زغلول باشا. تطلبت تلك المرحلة التاريخية الحاسمة تأسيس كيان سياسي شعبي يمثل الأغلبية، ليعبر عن تطلعات القاعدة العريضة من الشعب نحو الحرية والعدالة، ولتكون تلك الحقبة علامة فارقة في تاريخ النضال السياسي الذي استمر لعقود طويلة.
تشكل الوفد في البداية كفكرة طموحة دعا إليها سعد زغلول باشا أصحابه ورفقاء الدرب ليتشاوروا حول سبل نيل الاستقلال التام، وكان ذلك الاجتماع النواة الأولى لتأسيس الوفد. ضم الكيان الوليد صفوة من الشخصيات الوطنية أبرزهم عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد ومكرم عبيد وفخر الدين المفتش وآخرين ممن آمنوا بحتمية العمل المنظم. توحدت جهود هؤلاء الأعلام تحت مظلة واحدة هدفها الأساسي انتزاع الحقوق الوطنية عبر الطرق السلمية المشروعة، مستندين في سعيهم إلى مبادئ الحرية والعدل التي كانت تعلنها المملكة المتحدة في ذلك الحين، مما أعطى الحزب صبغة قانونية وشعبية واسعة النطاق بين مختلف طبقات المجتمع في ذلك الوقت.
جمع الوفد المصري توقيعات شعبية كاسحة من كافة الأطياف لتفويض سعد زغلول باشا ورفاقه في السعي نحو استقلال البلاد، مؤكدين صفتهم التمثيلية أمام المحافل الدولية. تميزت تلك الوثيقة بصياغة تعبر عن تطلع الأمة للتحرر، حيث أناب الموقعون عنهم تلك النخبة الوطنية لتمثيلهم في المحافل والمفاوضات. كانت هذه الخطوة بمثابة استفتاء شعبي مبكر أثبت مدى الالتفاف حول قيادة سعد زغلول، وهو ما أزعج سلطات الاحتلال ودفعها لاتباع سياسات القمع التي أدت في نهاية المطاف إلى اعتقال الزعيم ونفيه إلى مالطة رفقة رفاقه في الثامن من مارس 1919 ميلادي.
انفجرت ثورة 1919 ميلادي كإعصار شعبي عارم بعد نبأ نفي الزعماء، لتعلن عن ميلاد مرحلة جديدة من المقاومة التي أثبتت قوة الحزب وجماهيريته المطلقة. لم يكتفِ الحزب بقيادة الثورة، بل تحول إلى مؤسسة سياسية تتبنى طموحات الأمة وتدير دفة العمل الوطني لسنوات طويلة. اتسمت هذه المرحلة بالتمسك بالدستور الليبرالي والعمل على تحقيق رفاهية الشعب وترقيته، وهو ما جعل الحزب يسيطر على أغلبية المقاعد البرلمانية ويشكل الوزارات المتعاقبة ليكون هو الممثل الحقيقي لإرادة الجماهير في تلك الحقبة الزمنية الفاصلة.
تولى حزب الوفد زمام السلطة التنفيذية في أغلب الفترات منذ عام 1924 ميلادي وحتى عام 1952 ميلادي، حيث برزت شخصيات وفدية تولت مناصب وزارية رفيعة المستوى. قاد عبد الخالق ثروت باشا ومكرم عبيد باشا ومصطفى النحاس باشا وفؤاد سراج الدين باشا دفة البلاد خلال تلك السنوات، تاركين بصمات واضحة في الإدارة والتشريع. اعتمد الحزب في مشروعه الوطني على مبادئ ثابتة شملت تحقيق الاستقلال التام، والوحدة مع السودان، بالإضافة إلى الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، مع دعم مطلق للحقوق العربية في فلسطين.
تميز الوفد الليبرالي بقدرته على الجمع بين النضال الوطني ضد الاحتلال وبين بناء النظام الدستوري الديمقراطي الذي يضمن الحقوق والحريات العامة. سعى الحزب عبر برنامجه السياسي والاجتماعي إلى تحديث مؤسسات المجتمع ورفع مستوى المعيشة، معتبراً أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي الشامل. كان هذا النهج هو الأساس الذي قامت عليه فلسفة الحزب طوال مسيرته الطويلة، حيث ظل الحزب الليبرالي الحصن المنيع للدفاع عن مكتسبات الشعب، مما يجعله في ذاكرة التاريخ مدرسة سياسية متفردة لا تزال تدرس وتستحضر في الأوساط الثقافية والسياسية.
استمر الحزب في نهجه الليبرالي رغم كافة التحديات التي واجهته، مؤكداً أن التمسك بالدستور هو الطريق الوحيد للاستقرار السياسي وبناء المجتمع الحديث. شكلت المبادئ التي أعلنها الحزب مرجعية ثابتة لمؤيديه، وظلت هذه المبادئ حاضرة في قلب العمل السياسي لسنوات طويلة، حيث سعت القيادات الوفدية دوماً للحفاظ على توازن دقيق بين طموحات الشعب في الحرية ومتطلبات البناء الوطني، وهو ما يعكس عمق التجربة الوفدية وأهميتها في تشكيل الوعي السياسي الوطني عبر مختلف العصور، مع الحفاظ على روح الحزب الليبرالي الذي آمن بالديمقراطية وسيلة للنهضة.






