تحركات إيطالية مكثفة لضبط تجارة الذهب المهرب لتمويل نزاع السودان

تتزايد الضغوط الحقوقية والمجتمعية داخل إيطاليا بهدف فرض قيود صارمة على واردات المعدن النفيس القادمة إلى الأسواق الأوروبية، وذلك في ظل تصاعد التحذيرات من تسرب كميات ضخمة من الذهب السوداني المهرب عبر مسارات التجارة الدولية، مما يثير مخاوف جوهرية من تورط هذه الإيرادات في تمويل النزاع المسلح القائم في السودان. وتأتي هذه المطالب في إطار مساعٍ لتعزيز الشفافية المطلقة، وتجفيف منابع التمويل غير المشروع التي تستغل ثروات التعدين لإطالة أمد المواجهات العسكرية، وهو ما دفع قطاعات واسعة من المجتمع المدني إلى تكثيف أنشطتها التوعوية والاحتجاجية.
تتبنى منظمات المجتمع المدني الإيطالي استراتيجية ضغط منظمة منذ أكثر من 18 شهراً، تستهدف دفع المؤسسات المحلية والأوروبية نحو تبني سياسات أكثر صرامة تجاه ما بات يُعرف بـ “ذهب النزاعات”. وشهدت العاصمة روما فعاليات مكثفة، أبرزها الندوة التي نظمتها جماعة الآباء الكومبونيين تحت عنوان “تتبع مسارات الذهب ونزع سلاح الحرب”، والتي استعرضت آليات تقنية وتشريعية للحد من تهريب الذهب السوداني. وشارك في هذه الفعاليات خبراء دوليون وناشطون حقوقيون، مؤكدين ضرورة تفعيل آليات الرقابة على سلاسل التوريد العالمية لمنع تحويل الأرباح نحو الصراعات المسلحة، وتطوير معايير جديدة تضمن امتثال شركات التكرير والتصنيع للمواثيق الأخلاقية في التعامل مع الموارد المعدنية.
تستعرض البيانات الرسمية تحولات لافتة في خارطة استيراد الذهب، حيث تشير الأرقام إلى أن إيطاليا استوردت نحو 178 طنًا من الذهب خلال عام 2025، وتصدرت الولايات المتحدة قائمة الموردين الرئيسيين، بينما بلغت الواردات المباشرة من الإمارات نحو 30 طنًا. وأظهرت تقارير متخصصة أن إيطاليا كانت تستورد الذهب مباشرة من السودان حتى عام 2022، وتوقف ذلك المسار تمامًا في عام 2023 تزامناً مع تفجر الأوضاع العسكرية. وتتزايد التحديات أمام السلطات الرقابية نظراً لمرور نحو 65% من واردات الاتحاد الأوروبي عبر سويسرا، التي تُعد مركزًا رئيسيًا لعمليات التكرير وإعادة التصدير، مما يجعل تتبع المنشأ الأصلي للذهب عملية بالغة التعقيد، خاصة في ظل تداخل مسارات العبور.
تؤكد التحليلات الاقتصادية أن الذهب السوداني أصبح يمثل قرابة 70% من إجمالي الصادرات الوطنية، مع اعتماد كثيف على أنظمة التعدين التقليدي التي تفتقر إلى الأطر الرقابية الرسمية. ويوضح ألفيو نيكوترا، منسق الشبكة الإيطالية للسلام ونزع السلاح، أن الحرب في السودان ترتبط بشكل وثيق باقتصاديات عابرة للحدود، حيث يُستخدم الذهب كوقود لاستمرار القتال نتيجة التنافس الضاري على مناطق التعدين. وتشير التقارير الدولية إلى تهريب ما يتراوح بين 50% و70% من إجمالي الإنتاج السنوي للذهب، الذي يقدر بنحو 70 طنًا، بقيمة مالية ضخمة تتراوح ما بين 9 و12 مليار دولار. وتمر هذه الكميات المهربة عبر دول الجوار قبل أن تصل إلى أسواق عالمية مثل الإمارات، مما يصعب معه تحديد المصدر الأساسي، ويجعل من الرقابة الدولية أمراً حيوياً للحد من تدفق تلك الأموال نحو الأطراف المتنازعة.
تطالب الفعاليات الحقوقية بضرورة مراجعة جذرية للقوانين الأوروبية المتعلقة بمعادن النزاعات، مع اقتراح إدراج مراكز عبور دولية ضمن المناطق ذات المخاطر العالية لضمان خضوعها لآليات تتبع صارمة. وتشدد هذه الجهات على أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب مواجهة حاسمة مع شبكات تهريب الذهب التي تساهم في إطالة أمد النزاع. ولا تقتصر هذه الدعوات على المسارات السياسية والإنسانية التقليدية، بل تتجاوزها لتشمل استهداف البنية التحتية الاقتصادية التي تدعم أطراف القتال، وذلك من خلال توسيع نطاق الرقابة ليشمل جميع مراحل سلسلة الإمداد العالمية، بدءاً من مناطق الاستخراج وصولاً إلى أسواق التكرير والبيع النهائي في الأسواق الدولية.







