شباك نورمصرمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة.. ماذا بعد المونديال؟ هل تستعيد بالرياضة قوتنا الناعمة؟ ولماذا اعتذرت عن تولي وزارة الشباب؟ (١/٣)


الأمم الكبيرة لا تنهض بالمصادفات، ولا تصنع مكانتها بانتصار عابر، ولا تُقاس قوتها بما تملكه من مبانٍ أو سلاح، بل بما تملكه من القدرة على تحويل كل نجاح إلى مشروع، وكل موهبة إلى مؤسسة، وكل حلم إلى سياسة عامة. لذلك لم تعد الرياضة، في عالم اليوم، مجرد منافسة على ميدالية أو كأس، وإنما أصبحت إحدى أكثر لغات الأمم تأثيرًا، وإحدى أكثر أدوات القوة الناعمة قدرة على إعادة رسم صورة الدول في الوعي العالمي. فقد تستطيع مباراة واحدة أن تفتح أبوابًا تعجز عنها سنوات من الدبلوماسية، وقد ينجح لاعب شاب في تغيير الصورة الذهنية لبلده أكثر مما تفعله عشرات الحملات الإعلامية.

مشاركة مصر الموحية في مونديال 2026 تمنح المصريين شعورًا مشروعًا بالفخر. فلم يكن المشهد مجرد نتائج غير متوقعة أو أهداف مبكرة على لوحة إلكترونية، بل كان إعلانًا جديدًا عن قدرة الإنسان المصري على المنافسة متى توافرت له الإدارة الرشيدة، والتخطيط، والثقة، والإعداد العلمي.

وأحسب أن أعظم ما يمكن أن نفعله بعد هذا المونديال ألا نكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل أن نسأل أنفسنا: كيف نحول هذا النجاح إلى بداية جديدة؟ وكيف نجعل الرياضة أحد أعمدة مشروع النهضة المصرية، إلى جوار الثقافة والفنون والتعليم والبحث العلمي؟

قد يتساءل بعض القراء -وبحق-: ما الذي يدفع سياسيًا وقانونيًا إلى أن يكتب عن الرياضة؟ والإجابة عندي بسيطة؛ فأنا لا أكتب ولا أعلق على خطط اللعب، ولا عن تكتيكات المدربين، ولا عن تفاصيل التغيرات، وإنما أكتب عن الإدارة، وعن السياسات العامة، وعن بناء المؤسسات.

فالرياضة الحديثة الاحترافية لم تعد تُدار من مقاعد البدلاء، بل من مراكز الدراسات، ومجالس الإدارات، ومن قواعد البيانات، ومن المعاهد والجامعات، ومن التشريعات، ومن حسن اختيار القيادات. ولذلك فإن إدارة الرياضة أصبحت، في تقديري، فرعًا من علم الإدارة، بقدر ما هي فرع من علوم الرياضة.

وأعترف بأن هذه الرؤية لم تكن رؤيتي منذ 30 عامًا! وتعود بي الذاكرة إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، يوم تلقيت اتصالًا هاتفيًا كريمًا من رئيس مجلس الوزراء آنذاك، الدكتور كمال الجنزوري. كنت وقتها نائبًا برلمانيًا، وفي بداية الثلاثينيات من العمر، وما زلت أخطو خطواتي الأولى في العمل البرلماني.

فاتحني الدكتور كمال في فكرة كان يعمل عليها، وهي تحويل المجلس الأعلى للشباب والرياضة إلى وزارة مستقلة، ثم سألني عن موقفي إذا وقع عليّ الاختيار لتحمل مسؤولية الوزارة الجديدة؟!

لم يكن الاتصال عابرًا، ولم يكن الحديث عارضًا، بل كان نقاشًا جادًا حول مستقبل مؤسسة أراد لها أن تدخل مرحلة جديدة استعدادًا للمنافسة على استضافة مصر لكأس العالم.

غير أنني، بعد تفكير هادئ، وجدت أن الاعتذار هو القرار الأقرب إلى قناعتي وقتها. كان أول الأسباب أنني كنت أكن، وما زلت، كل التقدير والود للدكتور عبد المنعم عمارة، الذي كان يتولى رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة آنذاك، وكنا نتبادل الزيارات، وكنت أشعر أن تفكير الدكتور الجنزوري في إنشاء الوزارة ارتبط بخلاف بينه وبين عمارة، وبالرغبة في إنهاء مهمته لهذا السبب. ولم أكن أريد أن أبدأ أي مسؤولية عامة على حساب رجل أقدره إنسانيًا.

أما السبب الثاني، فكان أن الدكتور الجنزوري لمح، خلال حديثه، إلى أن أتولى المسؤولية بصفتي مستقلًا، بينما كنت يومها منتميًا إلى حزب الوفد، ولم يكن يخطر ببالي أن أغادر الحزب أو أتنازل عن انتمائي السياسي من أجل أي منصب، مهما بلغت أهميته.

وبقي السبب الثالث، وهو الذي بدا لي آنذاك أكثر ارتباطًا بطبيعة المسؤولية نفسها. لم أكن من أبناء الوسط الرياضي، ولم أكن متابعًا شغوفًا لكرة القدم أو غيرها من الألعاب، وكنت أعتقد أن احترام المنصب يبدأ باحترام متطلباته، وأن الإنسان لا ينبغي أن يقبل مسؤولية لا يشعر أنه يمتلك أدواتها كاملة.

مضت الأيام، وأُنشئت الوزارة، وتولى مسؤوليتها الدكتور علي الدين هلال، الذي احترمت اختياره، كما احترمت حق الدولة في أن تمضي في رؤيتها المؤسسية.

إلا أن الدكتور كمال الجنزوري، الذي كان يؤمن إلى حد بعيد بنظرية المؤامرة، فسر الاعتذار بأنه انحياز إلى المعسكر المعادي له، الذي كان يضم يوسف والي، وصفوت الشريف، وكمال الشاذلي، وعبد المنعم عمارة، وعمر سليمان، ومحمد إبراهيم سليمان، وزكريا عزمي، وآخرين… (وأشار إلى ذلك في مذكراته الشخصية).

أما أنا، فلم أشعر بالندم على اعتذاري؛ لأن القناعة التي حكمت قراري في ذلك الوقت كانت صادقة، ولأنني كنت مؤمنًا بأن المواقع العامة لا تُطلب، وإنما تُقبل حين يلتقي الواجب مع الاستعداد، ومع البيئة السياسية المساعدة.

واليوم، أروي هذه الواقعة، ربما لأول مرة، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أعود إلى الملف نفسه، لكن من زاوية مختلفة تمامًا. فلم يعد السؤال: من يتولى وزارة الرياضة؟ بل أصبح: كيف نبني منظومة رياضية قادرة على صناعة الأبطال؟ وكيف نجعل الرياضة أحد أعمدة مشروع الدولة المصرية؟ وكيف نستثمر ملايين الأطفال الذين يملكون الموهبة، لكنهم لا يجدون الطريق إليها؟ وكيف نحول النادي إلى مؤسسة تربوية، والمدرسة إلى حاضنة للمواهب، والجامعة إلى شريك في صناعة الإنجاز الرياضي، والقطاع الخاص إلى مستثمر في الإنسان قبل أن يكون مستثمرًا في اللعبة؟

ما يدفعني إلى كتابة هذه الصفحات ليس إعجابًا عابرًا بكرة القدم، ولا انفعالًا بنتيجة بطولة، وإنما إيمان راسخ بأن الأمم التي تريد أن تتقدم لا تفصل بين السياسة والاقتصاد والرياضة، ولا بين الثقافة والرياضة، ولا بين التعليم والرياضة، ولا بين الصحة والرياضة. فهذه كلها خيوط في نسيج واحد اسمه بناء الإنسان. وإذا نجحنا في بناء الإنسان، فإن رفع علم مصر في الملاعب سيصبح نتيجة طبيعية، لا معجزة ننتظرها بالصدفة كل عدة سنوات.

من هنا تبدأ هذه الرحلة. ليست رحلة للبحث عن بطل يسجل هدفًا في الدقيقة الأخيرة، وإنما رحلة للبحث عن وطن يعرف كيف يصنع ألف بطل،

وكيف يحول كل موهبة صغيرة إلى قصة نجاح كبيرة، وكيف يجعل من الرياضة أحد الأبواب الواسعة التي تعود منها مصر إلى مكانتها التي تستحقها بين الأمم.

وإذا كان ذلك الاتصال الهاتفي قد أعادني إلى سؤال قديم عن المنصب، فإن مونديال 2026 أعادني إلى سؤال أكبر بكثير عن الوطن. فالقضية لم تعد: من يجلس على مقعد الوزير؟ بل كيف نجعل كل مقعد في المدرسة، وكل ملعب في قرية، وكل مركز شباب، وكل جامعة، جزءًا من مشروع وطني لصناعة الإنسان.

أخطأت مصر طويلًا حين تعاملت مع الرياضة باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا أو ملفًا خدميًا، بينما كانت دول كثيرة حول العالم تعيد تعريفها باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا، وأداة دبلوماسية، وجسرًا ثقافيًا، ومدخلًا لتحسين الصحة العامة، ووسيلة لتعزيز الانتماء الوطني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول الرياضة في بعض الدول إلى. قطاع اقتصادي متكامل يدر مليارات الدولارات، ويوفر فرص العمل، ويعزز مكانة الدولة ونفوذها في العالم.

:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى