
كل صباح، هناك موظف في وزارة الري المصرية يفتح صورة التقطها قمر صناعي.
الصورة لسد النهضة، يعدّ، ويحسب، ويقيس منسوب المياه خلف السد، ويقارنه بمنسوب بحيرة ناصر.
هذه هي الحرب الباردة الجديدة؛ حرب بلا رصاص، وقودها القلق.
لنكن واضحين: السد أصبح أمرًا واقعًا، الملء اكتمل، وتوربينات الكهرباء بدأت تدور. معركة «منع السد» انتهت، وبدأت معركة «إدارة السد».
والقصة لم تعد مصرية-إثيوبية، بل صارت لعبة أمم.
الصين هي التي موّلت، وإسرائيل هي التي أمّنت، والإمارات هي التي تستثمر في الأراضي الزراعية التي سترويها مياه السد.
وأمريكا؟ أمريكا تتفرج، وتقول للطرفين: «تهادوا».
الخطر الحقيقي ليس في السد الحالي، الخطر في «السد القادم». إثيوبيا أعلنت أنها تخطط لسلسلة سدود أخرى.
وإذا صار «بيع المياه» سلعة، فإن نهر النيل سيتحول من «شريان حياة» إلى «بورصة».
ومن يملك المنبع، سيتحكم في المصب.
مصر كسبت معركة الرأي العام الدولي، فالعالم كله صار يعرف أن 110 ملايين إنسان يعتمدون على هذا النهر.
لكننا خسرنا معركة الزمن، انتظرنا، وفاوضنا، وهم يبنون.
ويجب أن تتذكر الحكومة المصرية أن المياه معركة دبلوماسية قبل أن تكون عسكرية، فالحرب خيار انتحاري.
والحل ليس في الخرطوم ولا أديس أبابا.
الحل في نيويورك وبروكسل وبكين.
دوّل الملف، وأخرج قضية النيل من إطارها الثنائي الضيق.
اربطها باتفاقية باريس للمناخ. اربطها بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
اربطها بالأمن الغذائي العالمي. اجعل جفاف النيل مشكلة ألمانيا والصين، لا مشكلة مصر وحدها.
مشروع الربط الكامل
اعرض على إثيوبيا والسودان مشروعًا مجنونًا، ربط شبكات الكهرباء الثلاث بالكامل.
اجعل إثيوبيا تبيع كهرباء السد لمصر والسودان بسعر تفضيلي.
حوّل الماء إلى كهرباء، والكهرباء إلى مصلحة مشتركة.
اجعل تعطيشك يكلفهم هم أيضًا.
ثورة مائية داخلية
كفانا بكاءً على «الحصة التاريخية».
العالم لا يعترف بالتاريخ، يعترف بالكفاءة.
ابتكار خطة قومية جذرية، بتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، ومعالجة ثلاثية لكل نقطة صرف، وزراعة ذكية بالتنقيط.
يجب أن نصل إلى مرحلة لا نحتاج فيها إلى قطرة واحدة زائدة.







