مقالات وآراء

سمير عبد العزيز يكتب: الحوكمة الرياضية.. مَن يحمي الملعب من نفوذ السياسة؟

لم تعد الرياضة مجرد نشاط ترفيهي تُقاس أهميته بعدد الأهداف والميداليات؛ فقد أصبحت صناعة اقتصادية عملاقة، ومنصة سياسية ودبلوماسية، وأداة للقوة الناعمة، ومجالاً واسعاً للاستثمار والإعلام والتكنولوجيا. ويكفي أن نتأمل ما تفعله مباراة كرة قدم واحدة في مشاعر الشعوب، وما تستقطبه بطولة كأس العالم من اهتمام الحكومات والمؤسسات والجماهير، لندرك أن إدارة الرياضة لم تعد شأناً فنياً يخص الرياضيين وحدهم، بل قضية حوكمة عالمية تمس العدالة والثقة وسمعة المؤسسات.

ومع اتساع التأثير، تتسع المخاطر.

فكلما زادت الأموال والمصالح والنفوذ السياسي والإعلامي المرتبط بالرياضة، أصبحت الحاجة إلى مؤسسات مستقلة وقواعد واضحة وآليات مساءلة فعالة أكثر إلحاحاً. وتؤكد الأمم المتحدة أن التحول الذي يشهده القطاع الرياضي، مدفوعاً بالعولمة والاستثمارات والمراهنات والتكنولوجيا، وسّع نطاق مخاطر الفساد، التي قد تشمل إساءة استخدام السلطة والتلاعب بالمنافسات وغسل الأموال والمخالفات المرتبطة بتنظيم البطولات وانتقالات اللاعبين وملكية المؤسسات الرياضية.

مكالمة تتجاوز حدود مباراة
كشفت بطولة كأس العالم الحالية عن هذه الإشكالية بصورة شديدة الوضوح، عندما حصل اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون على بطاقة حمراء خلال مباراة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك، بما كان يرتب إيقافه تلقائياً عن مباراة بلجيكا التالية.

وبحسب تقارير صحفية موثوقة، اتصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، طالباً مراجعة القرار. وبعد ذلك، قررت اللجنة التأديبية في “فيفا” تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف ووضع اللاعب تحت فترة اختبار لمدة عام، استناداً إلى المادة 27 من النظام التأديبي. ومن المهم هنا التمييز بين إلغاء البطاقة الحمراء وتعليق تنفيذ العقوبة؛ فالبطاقة لم تُمحَ رسمياً، لكن اللاعب سُمح له بالمشاركة في المباراة التالية.

قد يرى البعض أن القرار كان تصحيحاً لخطأ تحكيمي، وقد يرى آخرون أن المخالفة استحقت البطاقة. لكن القضية الحقيقية لا تتعلق فقط بصحة القرار الفني، بل بالطريق الذي وصل من خلاله الاعتراض إلى أعلى سلطة في كرة القدم.

هل يمتلك كل منتخب الخط المباشر نفسه إلى رئيس “فيفا”؟

وهل تستطيع دولة صغيرة، أو اتحاد محدود النفوذ، أن يحظى بالاستماع والسرعة ذاتهما؟

وهل كان القرار سيصدر بالصورة نفسها لو لم يكن المنتخب المعني منتخب الدولة المضيفة، ولو لم يكن المتصل رئيس أقوى دولة في العالم؟

هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاماً مسبقاً لأحد، لكنها تكشف عن أزمة ثقة حقيقية. والحوكمة الرشيدة لا تكتفي بأن يكون القرار نزيهاً بالفعل، بل تضمن أيضاً ألا تتوافر أسباب منطقية تدفع الجمهور إلى الشك في نزاهته.

استقلال مكتوب أم استقلال مُثبت؟
تؤكد “فيفا” أن لجانها التأديبية والاستئنافية والأخلاقية هي هيئات قضائية مستقلة، وأن أعضاءها يخضعون لمعايير الاستقلال المنصوص عليها في لوائح الحوكمة. كما أن اللجنة التأديبية هي الجهة المختصة بتوقيع العقوبات وفق النظام الأساسي والنظام التأديبي للاتحاد.

لكن الاستقلال المؤسسي لا يُقاس فقط بما يُكتب في اللوائح، بل بما يحدث عند الاختبار.

فقد تكون اللجنة مستقلة في تشكيلها، بينما تتعرض البيئة المحيطة بعملها لضغوط سياسية أو إعلامية. وقد يكون القرار صحيحاً قانونياً، بينما تفتقر عملية اتخاذه إلى الشفافية الكافية. وقد تسمح القواعد بتعليق العقوبة، لكن استخدامها بصورة استثنائية وسريعة عقب اتصال سياسي مباشر يثير تساؤلات مشروعة حول تكافؤ الوصول إلى العدالة الرياضية.

الحوكمة هنا لا تعني التشكيك التلقائي في نيات المسؤولين، وإنما إنشاء “جدران مؤسسية” تمنع النفوذ، أو تحد منه، أو تكشفه فوراً. فالقرارات الحساسة يجب ألا تمر عبر العلاقات الشخصية، بل عبر قنوات قانونية معلنة ومتاحة بالتساوي لجميع الأطراف.

تقنية الفيديو لا تحكم وحدها
أصبحت تقنية حكم الفيديو المساعد “VAR” محوراً دائماً للنقاش؛ فبعد أن قُدمت باعتبارها وسيلة لتقليل الأخطاء، تحولت أحياناً إلى مصدر جديد للجدل بسبب تفاوت التطبيق، وطول المراجعات، واختيار زوايا التصوير، وحدود التدخل، وعدم فهم الجمهور لما يدور داخل غرفة الفيديو، ولا سيما ما حدث ويحدث في كأس العالم الحالي والمقام في أمريكا وكندا والمكسيك، وما رأيناه في مباريات حاسمة مثل مباراة منتخب مصر أمام منتخب الأرجنتين وما شاب بعض القرارات من شوائب تحدث عنها نجوم رياضة كرة القدم على مستوى العالم وبشكل فج وواضح وجلي.

لكن المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها. فالتقنية لا تصنع العدالة من تلقاء نفسها، وإنما تعمل داخل منظومة بشرية ومؤسسية تحدد متى تتدخل، ومن يراجع القرار، وما الأدلة التي تُستخدم، وكيف تُفسر الوقائع.

وينص بروتوكول مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم “IFAB” على أن القرار الأصلي لا يُغيَّر إلا عند وجود “خطأ واضح وجلي”، وأن الحكم وحده يملك اتخاذ القرار النهائي، سواء اعتماداً على معلومات حكم الفيديو أو بعد مراجعة اللقطة بنفسه. كما يسمح البروتوكول للبطولات بتطبيق نظام يشرح من خلاله الحكم قراره للجمهور عقب المراجعة.

وهنا تظهر فجوة الحوكمة: فما دام القانون يسمح بالشرح، فلماذا لا يصبح تفسير القرارات الكبرى قاعدة ثابتة لا خياراً تنظيمياً؟

الثقة لا تُبنى بإخبار الجمهور أن القرار صحيح، وإنما بتمكينه من فهم كيف ولماذا اتُخذ. ولذلك يجب نشر تفسيرات فنية مكتوبة للقرارات المؤثرة، وإتاحة التسجيلات الصوتية بين الحكم وغرفة الفيديو بعد المباريات، وإصدار تقارير مستقلة عن مستوى التحكيم ونسب الأخطاء والتباين في التطبيق.

فالشفافية لا تضعف الحكم، بل تحميه من الشائعات والاتهامات غير المؤسسة.

كيف نبني حوكمة رياضية رشيدة؟
البداية تكون بالفصل الحقيقي بين القيادة السياسية والإدارية والتجارية من جهة، والسلطات التحكيمية والتأديبية من جهة أخرى. لا ينبغي لرئيس اتحاد رياضي، مهما علا منصبه، أن يكون بوابة غير رسمية لمراجعة قرار يخص منتخباً أو لاعباً. وأي اتصال من مسؤول حكومي بشأن قضية منظورة يجب تسجيله والإفصاح عنه وإحالته فوراً إلى جهة مستقلة، مع امتناع المسؤول الذي تلقى الاتصال عن المشاركة في أي إجراء متعلق بالقضية.

كما ينبغي إنشاء مسار موحد وعاجل للاعتراضات خلال البطولات، يحدد بدقة مَن يملك تقديم الطلب، والمهلة الزمنية، والأسباب المقبولة، والأدلة المطلوبة، والجهة المختصة، مع نشر القرار وأسبابه القانونية. العدالة التي تعتمد على قدرة الأطراف على الوصول إلى أصحاب النفوذ ليست عدالة، حتى لو انتهت أحياناً إلى نتيجة صحيحة.

ويجب كذلك تعزيز استقلال منظومة التحكيم من خلال ميزانية منفصلة، وإجراءات معلنة لاختيار الحكام وتقييمهم، وضوابط واضحة لتعارض المصالح، ومراجعة خارجية دورية للأداء. كما ينبغي ألا تتولى الجهة التي تختار الحكام وتديرهم الدفاع وحدها عن قراراتهم وتقييم الاعتراضات المتعلقة بهم؛ لأن الحوكمة تقوم على الفصل بين التنفيذ والرقابة والمراجعة.

أما تقنية الفيديو، فتحتاج إلى حوكمة تقنية لا تقل صرامة عن حوكمة القرارات البشرية، تشمل توحيد معايير التدخل، وتوثيق جميع المراجعات، والتدقيق المستقل في الأنظمة والأجهزة والبيانات، والإفصاح عن الأعطال، وتحديد المسؤولية عندما تؤثر مشكلة تقنية في نتيجة مباراة.

ولا تكتمل المنظومة دون رقابة خارجية. فقد حدد معيار حوكمة الرياضة الذي تدعمه مؤسسات دولية خمسة أبعاد رئيسية هي: الشفافية، والنزاهة، والديمقراطية، والتنمية والتضامن، وآليات الضبط والتوازن والرقابة. كما تدعو معايير التحالف العالمي لنزاهة الرياضة “SIGA” إلى تقييم المؤسسات الرياضية بصورة مستقلة على أساس الحوكمة والنزاهة المالية والمراهنات وحماية الشباب.

ومن ثم، يمكن إنشاء تصنيف عالمي مستقل لحوكمة الاتحادات الرياضية، يُنشر سنوياً ويقيس استقلال مجالس الإدارة واللجان القضائية، وشفافية القرارات والتمويل، وتعارض المصالح، وتمثيل اللاعبين والنساء والجماهير، وحماية المبلغين، ومدى الالتزام بنشر المعلومات.

حماية الرياضة من السياسة لا تعني عزلها عن العالم
من غير الواقعي مطالبة الرياضة بالابتعاد الكامل عن السياسة؛ فالمنتخبات تمثل دولاً، والحكومات تمول المنشآت، والبطولات الكبرى تحتاج إلى الأمن والتشريعات والبنية التحتية، كما تستخدم الدول الرياضة في الدبلوماسية والقوة الناعمة.

لكن هناك فارقاً بين تعاون السياسة مع الرياضة، وتدخل السياسة في قرارات المنافسة.

يمكن للحكومات دعم المنتخبات، وتطوير المنشآت، وحماية الجماهير، وتمويل الرياضة المجتمعية، ولكن لا يجوز أن يتحول قرب السياسيين من رؤساء الاتحادات إلى طريق مختصر للتأثير في قرارات تحكيمية أو تأديبية. فالنفوذ الذي يُمارس لمصلحة فريق اليوم قد يُستخدم ضده غداً، وحين يُفتح هذا الباب يصبح إغلاقه بالغ الصعوبة.

الحياد لا يعني غياب العلاقات، بل يعني وجود قواعد تمنع العلاقات من تغيير ميزان العدالة.

الثقة هي البطولة الأهم
ربما تُنسى نتائج بعض المباريات، وربما يختلف المحللون سنوات حول صحة بطاقة أو ركلة جزاء، لكن الضرر الأكبر يقع عندما يفقد الجمهور ثقته في أن الجميع يخضعون للقواعد نفسها.

فالرياضة تقوم على اتفاق ضمني بسيط: قد يفوز الأقوى أو الأذكى أو الأكثر حظاً، لكن يجب ألا يفوز الأكثر نفوذاً خارج الملعب.

ولهذا فإن تمتين الحوكمة الرياضية لم يعد ترفاً إدارياً، ولا مجرد استجابة لفضائح الفساد السابقة. إنه شرط لبقاء الرياضة نفسها مساحة عادلة وقادرة على توحيد البشر. والمطلوب ليس المزيد من الشعارات حول النزاهة، بل استقلال يمكن اختباره، وشفافية يمكن رؤيتها، ومساءلة لا تستثني أحداً، وقواعد تظل ثابتة سواء كان المعترض لاعباً مغموراً أم رئيس دولة.

في كرة القدم، قد يكون خط المرمى هو الحد الفاصل بين الفوز والخسارة، أما في إدارة الرياضة، فإن الحوكمة الرشيدة هي خط الدفاع الأخير بين المنافسة العادلة وتحول الملعب إلى امتداد لموازين القوة السياسية.

والرياضة التي لا تستطيع حماية قراراتها من النفوذ، لن تستطيع طويلاً حماية ثقة جماهيرها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى