ذاكرة التاريخملفات وتقارير

على مبارك المهندس العبقري الذي صاغ ملامح العمران والنهضة التعليمية الحديثة

يستعيد التاريخ ذكرى رحلة كفاح بدأت من قرية برنبال الجديدة في محافظة الدقهلية، لتصنع مسيرة المهندس علي باشا مبارك، الذي حفر اسمه بحروف من نور كأبرز رواد التحديث في القرن التاسع عشر. ولد هذا الرمز الوطني في عام 1824، ليبدأ رحلة تعليمية تقليدية في كتاتيب قريته قبل أن ينطلق نحو آفاق أوسع، مدفوعاً بذكاء حاد ونبوغ لافت للانتباه مكنه من الصعود في درجات السلم التعليمي والمهني في مرحلة كانت تضع اللبنات الأولى لبناء مؤسسات حديثة.

انتقل علي مبارك في عام 1835 إلى مدرسة قصر العيني التجهيزية بمنطقة أبوزعبل وهو في الثانية عشرة من عمره، حيث خضع لنظام تعليمي داخلي صارم صقل شخصيته القيادية. لم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، بل التحق بمدرسة المهندس خانة في بولاق، ودرس فيها لمدة 5 سنوات، متسلحاً بعلوم الجبر والهندسة والطبيعة والكيمياء، بالإضافة إلى المعادن والجيولوجيا، مما جعله مؤهلاً للمشاركة في بعثة علمية إلى فرنسا، حيث اكتسب خبرات استثنائية في المدفعية والهندسة الحربية.

عاد علي مبارك إلى أرض الوطن ليساهم بخبراته المكتسبة في تعزيز القدرات الفنية والعسكرية، حيث تقلد مناصب وظيفية رفيعة بدأها كمعلم في مدرسة المدفعية بمنطقة طرة. تدرج الرجل في المناصب وصولاً إلى مراقبة امتحانات الهندسة بالأقاليم، ثم الإشراف على صيانة القناطر الخيرية، قبل أن يتولى إدارة ديوان المدارس. أحدث هناك ثورة إدارية وتعليمية شاملة، حيث أعاد تنظيم المناهج، واختار أكفأ المعلمين، وأسس مطابع خاصة لخدمة الحركة التعليمية، راسخاً مكانته كأب روحي للتعليم في تلك الحقبة التاريخية المهمة.

شهد يوم 16 يوليو عام 1854 تغييراً في مسار حياته الوظيفية، حين أصدر سعيد باشا قراراً بعزله من منصبه ومن نظارة مدرسة المهندس خانة نتيجة وشايات مغرضة، ليتم إلحاقه بالجيش في حملته للمشاركة مع الدولة العثمانية في حرب القرم ضد روسيا. لم تكن تلك المحطة نهاية المطاف، بل كانت فصلاً جديداً من التحدي، حيث ظل علي مبارك محتفظاً بكفاءته وقدرته على العطاء في مختلف الميادين العسكرية والمدنية التي كلف بها خلال مسيرته الحافلة.

استدعى الخديو إسماعيل علي مبارك في عام 1863، عقب توليه الحكم، للاستفادة من خبراته الهندسية الفذة، حيث أسند إليه قيادة المشروع العمراني الضخم لإعادة تخطيط العاصمة على النمط الأوروبي الحديث. نجح المهندس القدير في شق الشوارع الجديدة، وتصميم الميادين العصرية، وتشييد عمائر ومبانٍ ذات طرز معمارية أوروبية متنوعة لا تزال تشكل قلب العاصمة الحالي. لم يكتف بذلك، بل عمل على تزويد العاصمة بشبكات المياه، وإدخال الإضاءة بالغاز، ورصف الطرق وتشجيرها، فضلاً عن تأسيس البنية الإدارية والقانونية والعلمية، وإنشاء دار الأوبرا والمحاكم التي أصبحت ركيزة للحياة المدنية.

يظل علي مبارك نموذجاً فريداً للمثقف المتعدد المواهب، الذي زاوج بين براعة المهندس وحكمة الإداري ورؤية المصلح الاجتماعي. وضع الرجل أسساً للعمران الحديث، وأحدث طفرة في هيكلة المدارس ونظم التعليم، تاركاً إرثاً معمارياً وحضارياً يصعب تجاوزه، يجسد روح التحدي والإبداع التي تحلى بها طوال حياته المهنية. سيبقى اسمه مقترناً بمشروعات البنية التحتية التي نقلت البلاد نحو آفاق العصر الحديث، مستفيداً من دراساته المتعمقة في الداخل والخارج، وروح الإخلاص التي ميزت عمله في جميع المناصب التي شغلها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى