مصرملفات وتقارير

قضايا الفساد في الهيئة العامة للتأمين الصحي بالبحيرة تتجاوز الخطوط الحمراء

تتكشف تباعاً خيوط متشابكة من وقائع التلاعب بالمال العام والمخالفات الإدارية الصارخة داخل أروقة الهيئة العامة للتأمين الصحي بالبحيرة، حيث أثارت تحركات مشبوهة حول أعمال الصيانة والتعيينات حالة من الغضب والاستياء. وتكشف الوثائق والبيانات المتاحة عن وجود خلل هيكلي في إدارة الموارد المالية والبشرية، وسط اتهامات صريحة بتضليل جهات عليا وتمرير صفقات تثير علامات استفهام كبرى حول نزاهة منظومة العمل داخل هذا القطاع الحيوي الذي يمس صحة آلاف المواطنين بشكل يومي ومباشر.

تتعلق أولى هذه الفضائح بملف أعمال الصيانة في عيادة صلاح سالم بكفر الدوار، حيث رصدت تقارير فنية قيام جهات الإدارة بتصنيف عمليات هدم وبناء أعمدة خرسانية جديدة تحت مسمى “أعمال صيانة وترميم” في الأوراق الرسمية، وذلك في محاولة واضحة للالتفاف على الضوابط القانونية للإنشاءات الجديدة وتمرير ميزانيات ضخمة دون رقابة حقيقية. وتظهر الوثائق أن تكلفة هذه الأعمال وصلت إلى 2,253,650 جنيه، وهو مبلغ ضخم تم إنفاقه على مساحة لا تتعدى 6 غرف، مما يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات المبالغة المتعمدة في المقايسات والتربح من المال العام، مع وجود تلاعب في ملفات التعاقد مع المقاولين، حيث تم إنهاء تعاقد مقاول وإسناد العمل لآخر بمبالغ إضافية دون مبرر قانوني واضح، مما أدى إلى استنزاف مخصصات الصيانة في العيادات الأخرى وتهديد سلامة المنشآت الطبية بشكل كامل.

تضليل الجهات الرقابية وسياسات المحسوبية في التعيينات

يتزامن هذا الإهدار المالي مع وقائع فساد إداري تطال سلك التوظيف والتعاقدات، إذ عمدت إدارة فرع البحيرة إلى تضليل رئاسة الهيئة العامة للتأمين الصحي عبر ادعاء وجود عجز حاد في الصيادلة بعيادة بدر التابعة للمنطقة الثالثة، على الرغم من أن البيانات الواقعية تؤكد وجود 15 صيدلياً لخدمة معدل يومي لا يتجاوز 200 روشتة، مما يعني وجود فائض بشري كبير. استغلت الإدارة هذا الادعاء المضلل لتمرير تعاقد سري مع الصيدلانية نجوى إبراهيم حمدي بعيداً عن أطر الشفافية والمنافسة، وهو ما عزز شبهات المحسوبية والوساطة في إدارة الموارد البشرية.

تفاقمت ظاهرة البطالة المقنعة داخل أروقة الهيئة كنتيجة مباشرة لهذه السياسات الإدارية العشوائية، حيث أدى تكدس الصيادلة وعدم وجود أماكن مخصصة لهم إلى تكليفهم بمهام خارج نطاق تخصصاتهم الفنية، مثل العمل في مكاتب خدمة العملاء بأعداد مبالغ فيها، وهو ما يمثل إهداراً جسيماً لطاقات وكوادر الدولة المالية والبشرية في ظل وجود عيادات أخرى تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات. وتؤكد هذه الممارسات غياب الدور الرقابي الفعال من قبل رئاسة الهيئة، مما يثير تساؤلات ملحة حول مدى التستر أو الإهمال الجسيم في متابعة أداء المديرين واللجان الهندسية والمالية المسؤولة عن هذه الملفات.

مطالب بفتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المسؤولين

تتطلب هذه الوقائع المتواترة تدخلاً عاجلاً من قبل جهات التحقيق الرسمية لتشكيل لجان فنية ومالية من خارج الفرع للمعاينة على الطبيعة ومطابقة الأعمال المنفذة بالمقايسات، والتحقيق مع مديرة فرع البحيرة وكل من ساهم في التوقيع على هذه المكاتبات. ويجب أن يشمل التحقيق ملابسات التعاقد مع الصيدلانية المذكورة، وفحص جدوى القوى البشرية في عيادة بدر، ومحاسبة المسؤولين عن التضليل في تقارير الاحتياج، بما يضمن استرداد الأموال المهدورة وقطع الطريق على كل من تسول له نفسه استغلال منصبه في إهدار مقدرات الدولة والعبث بالمنظومة الطبية.

تأتي هذه التحركات في ظل ضرورة ملحة لتطهير المؤسسات الصحية من الفساد الإداري والمالي الذي بات يهدد كفاءة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث أن استمرار هذه الأوضاع دون رادع قانوني يفاقم من الأزمات ويفتح المجال أمام المزيد من التجاوزات. وينتظر الرأي العام اتخاذ إجراءات حاسمة تعيد الهيبة لمؤسسات الدولة وتضمن محاسبة كل متورط، بدءاً من لجان المعاينة الهندسية وصولاً إلى الإدارة العليا، لضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع التي تمس المال العام بشكل مباشر وتسيء لمصداقية الهيئة العامة للتأمين الصحي في تقديم خدماتها المستحقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى