
قراءة نفسية وسلوكية وشرعية في ظاهرة رفض الحوار والمراجعة
من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع إصلاحي أن تتحول القيادة من قيادة للفكرة إلى حراسة للموقع، ومن البحث عن الحق إلى الدفاع عن القرار، ومن إدارة الخلاف إلى إدارة الخصومة. عندها يصبح الزمن يدور، والخطاب يتكرر، والأزمة تتفاقم، بينما تبقى الكلمات هي نفسها، والوعود هي نفسها، والنتائج تتراجع عامًا بعد عام.
هذه الظاهرة ليست خاصة بجماعة أو حزب أو دولة، بل عرفها التاريخ السياسي والدعوي والإنساني كله. فكم من قائد بدأ مخلصًا، ثم وجد نفسه أسيرًا للقرار الذي اتخذه، غير قادر على مراجعته، لأن التراجع أصبح في نظره هزيمة، والاعتراف بالخطأ أصبح تهديدًا لهيبته.
ومن الناحية النفسية، يفسر علماء السلوك ذلك بعدة عوامل. فالإنسان إذا ارتبط اسمه بموقف سنوات طويلة قد يصعب عليه التراجع عنه، حتى لو تغيرت الظروف. ومع مرور الوقت قد يحيط نفسه بمن يوافقونه الرأي، فتضعف قدرته على رؤية الصورة كاملة، ويصبح كل نقد مؤامرة، وكل نصيحة تشكيكًا، وكل وساطة انحيازًا للطرف الآخر.
وهناك عامل آخر لا يقل خطورة، وهو الخوف من فقدان المكانة. فبعض القيادات لا تشعر أنها تدافع عن قرار إداري، بل تشعر أنها تدافع عن تاريخها ورمزيتها، فيختلط الدفاع عن الذات بالدفاع عن المشروع، ويصبح الحفاظ على الموقع مقدمًا على مصلحة الجماعة.
لكن هذه الحالة لا تضر القائد وحده، بل تضر المؤسسة كلها. فكلما أُغلق باب الحوار، اتسعت دائرة الانقسام، وضعفت الثقة، وهاجر أصحاب الكفاءة، وارتفعت أصوات الموالين على حساب أصحاب الخبرة، حتى تصبح المؤسسة تدور حول القيادة بدل أن تدور حول رسالتها.
أما الميزان الشرعي، فإنه يقوم على أصل مختلف تمامًا. فالقرآن جعل الشورى صفة ملازمة للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وأمر النبي ﷺ بمشاورة أصحابه مع كمال عقله ووحي ربه، فقال: ﴿وشاورهم في الأمر﴾. فإذا كان رسول الله ﷺ مأمورًا بالشورى، فمن باب أولى من جاء بعده.
كما أن الإسلام لا يجعل الرجوع إلى الحق نقصًا، بل فضيلة. وقد كان كبار الصحابة يراجع بعضهم بعضًا، ويتراجع أحدهم عن رأيه إذا ظهر له الصواب. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي». فالقوة في المنهج الإسلامي ليست في الإصرار، وإنما في القدرة على تصحيح المسار.
إن القيادة التي ترفض كل وساطة، وتغلق أبواب الحوار، وتكرر الخطاب نفسه دون مراجعة، قد تحقق تماسكًا مؤقتًا حول الأشخاص، لكنها تخسر تدريجيًا ثقة الصف، لأن الناس قد تصبر على الخطأ إذا وجدت مراجعة، لكنها لا تصبر على خطأ يرفض أصحابه الاعتراف بإمكان وقوعه.
ولذلك فإن معيار نجاح القيادة ليس كثرة البيانات، ولا حسن العبارات، ولا طول البقاء في الموقع، وإنما قدرتها على تجديد نفسها، والاستماع للنصح، وتقديم مصلحة المشروع على مصلحة الأشخاص.
والتاريخ يعلمنا أن المؤسسات لا تنهار غالبًا بسبب قوة خصومها، وإنما بسبب عجزها عن مراجعة نفسها في الوقت المناسب. وما أكثر المشاريع التي أسقطها الجمود، قبل أن يسقطها الخصوم.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تدرك القيادة أن الشورى ليست منحة تمنحها للناس، وإنما فريضة عليها، وأن الحوار ليس تنازلًا، وإنما وسيلة للوصول إلى الحق، وأن الرجوع إلى الصواب فضيلة لا تنتقص من القدر، بل ترفعه.
فالأشخاص يرحلون، والمناصب تزول، أما المبادئ الصادقة فتبقى، ولا يحفظها إلا قادة يجعلون الحق أكبر من ذواتهم، والمشروع أوسع من مواقعهم، والأمة أعظم من خلافاتهم.
محمد أبو عجور







