مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: ترامب وأوروبا… هل بدأت مرحلة انكشاف نقاط الضعف البنيوية؟

لم يكن الخطاب الذي تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين مجرد اختلاف في الرؤى داخل التحالف الغربي، بل شكّل لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح سؤال ظل مؤجلاً لعقود: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها إذا تراجعت المظلة الأمنية الأمريكية؟

فمنذ نهاية الحرب الباردة، اعتادت معظم الدول الأوروبية العمل ضمن منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، الأمر الذي أتاح لها توجيه جانب كبير من مواردها نحو بناء اقتصاد الرفاه وتعزيز التنمية الاجتماعية، مقابل اعتماد متزايد على واشنطن في ملفات الأمن والدفاع والردع الاستراتيجي. إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التنافس الأمريكي–الصيني، وعودة ترامب بخطاب أكثر تشدداً تجاه الحلفاء، دفعت أوروبا إلى مواجهة واقع جديد يفرض عليها إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الأوروبي.

وعلى الصعيد العسكري، تواجه القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وهولندا، تحديات غير مسبوقة تتعلق برفع الإنفاق الدفاعي، وزيادة الإنتاج العسكري، ومعالجة النقص في الذخائر والقدرات التصنيعية، وتحديث الجيوش بما يتلاءم مع طبيعة الحروب الحديثة، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والفضاء السيبراني. كما تواجه الصناعات الدفاعية الأوروبية ضغوطاً كبيرة نتيجة سنوات طويلة من انخفاض الاستثمار العسكري مقارنة بحجم التحديات الأمنية الراهنة.

اقتصادياً، لم تعد أوروبا تتمتع بالزخم الذي ميّزها خلال العقود الماضية. فارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ معدلات النمو، وتراجع القدرة التنافسية لبعض القطاعات الصناعية، والمنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة والصين، دفعت العديد من الشركات الأوروبية الكبرى إلى إعادة النظر في خططها الاستثمارية، بل ونقل أجزاء من إنتاجها إلى أسواق تتمتع بتكاليف أقل وحوافز استثمارية أكبر. كما تواجه الصناعات الألمانية، وخاصة في قطاعات السيارات والهندسة والكيماويات، تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والتحولات التكنولوجية العالمية.

أما على المستوى الاجتماعي، فتواجه أوروبا أزمة ديموغرافية متنامية تتمثل في ارتفاع متوسط الأعمار، وانخفاض معدلات المواليد، وتقلص القوى العاملة، الأمر الذي يفرض أعباءً متزايدة على أنظمة الضمان الاجتماعي وسوق العمل. ويتزامن ذلك مع استمرار الجدل السياسي حول الهجرة والاندماج، وتصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد متزايد من الدول الأوروبية، بما يعكس حالة من الاستقطاب الداخلي قد تؤثر في استقرار المشهد السياسي الأوروبي خلال السنوات المقبلة.

وفي الجانب الثقافي والهوياتي، تخوض المجتمعات الأوروبية نقاشات عميقة حول الهوية الوطنية، والهجرة، والتعددية الثقافية، وحدود الاندماج، وهي قضايا أصبحت تشكل محوراً رئيسياً في المنافسة الانتخابية داخل العديد من الدول الأوروبية، وأحد أبرز العوامل المؤثرة في رسم السياسات الداخلية والخارجية.

أما صناعياً، فإن أوروبا تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على مكانتها كقوة صناعية عالمية، وفي الوقت نفسه مواكبة الثورة الصناعية الرابعة التي تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النظيفة. ولم تعد المنافسة الدولية تقاس فقط بجودة المنتج، بل بسرعة الابتكار، وتأمين سلاسل الإمداد، والسيطرة على المواد الخام الاستراتيجية، والقدرة على جذب الاستثمارات العالمية.

وفي ظل هذه التحولات، تبدو أوروبا وكأنها تدخل مرحلة إعادة صياغة شاملة لعقيدتها الأمنية والسياسية والاقتصادية. ومن هنا يكتسب التقارب الأوروبي المتزايد مع تركيا أهمية استراتيجية متنامية، إذ لم تعد أنقرة بالنسبة للعديد من العواصم الأوروبية مجرد دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي أو شريك داخل حلف الناتو، بل أصبحت تمثل قوة إقليمية تمتلك أحد أكبر الجيوش في الحلف، وقاعدة صناعية دفاعية متطورة، وموقعاً جغرافياً يجعلها لاعباً محورياً في أمن البحر الأسود والبلقان وشرق المتوسط والشرق الأوسط، فضلاً عن دورها الحيوي في ملفات الطاقة والهجرة وممرات التجارة الدولية.

والمفارقة أن عدداً من الدول الأوروبية التي شهدت علاقاتها مع تركيا توترات سياسية خلال العقد الماضي، باتت اليوم تنظر إلى أنقرة باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو استراتيجية مستقبلية، وهو تحول يعكس حجم التغير الذي طرأ على موازين القوى الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، ستظل روسيا أحد أهم الفاعلين في معادلة الأمن الأوروبي خلال المرحلة المقبلة، سواء استمرت حالة المواجهة مع الغرب أو اتجهت الأطراف نحو صياغة نظام أمني جديد بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا. فالجغرافيا السياسية تفرض على أوروبا وروسيا التعايش ضمن معادلة أمنية مشتركة، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية، وهو ما يجعل مستقبل الأمن الأوروبي مرتبطاً بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقة مع موسكو، سواء عبر الردع أو التوازن أو التفاهمات الاستراتيجية.

ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يتجه حتماً نحو الانهيار، إلا أنه يمر بمرحلة مفصلية ربما تكون الأكثر حساسية منذ تأسيسه. فنجاح المشروع الأوروبي سيعتمد على قدرته في معالجة أزماته البنيوية، وتعزيز استقلاله الاستراتيجي، وإعادة بناء قوته الصناعية والعسكرية، والحفاظ على تماسكه الاجتماعي والسياسي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو السنوات القادمة حاسمة في رسم شكل أوروبا الجديدة. فإذا نجحت في تحويل أزماتها إلى فرصة لإعادة البناء، فقد تستعيد جزءاً مهماً من مكانتها الدولية. أما إذا استمرت الانقسامات الداخلية، وتباطأت الإصلاحات، واستمر الاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية، فإن القارة الأوروبية قد تشهد تراجعاً تدريجياً في وزنها الاستراتيجي داخل النظام الدولي متعدد الأقطاب.

وفي المقابل، تبدو تركيا من أكثر الدول استعداداً للاستفادة من هذه التحولات، بفضل موقعها الجيوسياسي، وتنامي قدراتها العسكرية والصناعية، واستقلالية قرارها السياسي، واتساع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية. ومع استمرار إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، قد لا تكون أنقرة مجرد شريك لأوروبا، بل أحد الأعمدة الرئيسية في صياغة النظام الأمني الإقليمي والأوروبي خلال العقود المقبلة.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى