ذاكرة التاريخمصرملفات وتقاريروجوه نسائية لا تغيب

مسيرة فايدة كامل الاستثنائية بين الفن والبرلمان وموسوعة جينيس للأرقام القياسية

تحتفي ذاكرة التاريخ في الثاني عشر من يوليو بذكرى ميلاد الفنانة والبرلمانية الراحلة فايدة كامل التي ولدت في عام 1932 لتضع بصماتها في سجلات الإبداع الغنائي والعمل التشريعي على حد سواء. استطاعت تلك الشخصية الفريدة أن تحفر اسمها بحروف من نور في الوجدان الجمعي من خلال أعمالها الفنية الخالدة ومواقفها السياسية التي لا تزال تثير الجدل والتقدير، مما جعل سيرتها نموذجاً يحتذى به في الجمع بين الطموح الفني والالتزام الوطني الصادق الذي امتد عبر عقود من العطاء المستمر.

تعد فايدة كامل واحدة من أبرز الرموز التي جمعت بين رقة الصوت وقوة الموقف، حيث بدأت رحلتها الفنية في سن مبكرة جداً، إذ ظهرت موهبتها حين كانت في الثامنة من عمرها بمدرسة البهية البرهانية الابتدائية بحي الخليفة بالقاهرة. شاركت في برنامج بابا شارو بالإذاعة، ثم التحقت بمعهد الموسيقى العربية في سن الحادية عشرة، لتكمل مسيرتها التعليمية في المعهد العالي للموسيقى المسرحية، حيث عاصرت جيلاً ذهبياً من الفنانين أمثال عبد الحليم حافظ وأحمد فؤاد حسن وعلي إسماعيل، وحصلت أيضاً على ليسانس الحقوق لتدعم مسيرتها السياسية بمعرفة قانونية رصينة.

أيقونة الطرب الوطني والعمل النيابي

ارتبط اسم الراحلة في ذاكرة الجماهير بأغاني شكلت وجدان الأمة، وعلى رأسها نشيد “الوطن الأكبر” الذي قدمته عام 1960 بمشاركة نخبة من كبار النجوم مثل عبد الحليم حافظ وصباح ووردة الجزائرية وشادية ونجاة الصغيرة. لم تكتفِ بهذا، بل ألهبت حماس الجماهير خلال العدوان الثلاثي عبر أغنية “دع سمائي”، وشاركت في تقديم أغنيات دينية ووطنية مثل “عاد السلام يا نيل”، كما تركت رصيداً سينمائياً مميزاً يضم أفلاماً مثل “أنا وأنت” و”سكة السلامة” و”على أد لحافك” و”أرض السلام”.

انتقلت فايدة كامل من خشبة المسرح إلى مقاعد البرلمان في عام 1971 ممثلة عن دائرة الخليفة بالقاهرة، لتستمر في العطاء النيابي لدورات برلمانية متتالية جعلتها تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية بوصفها أقدم برلمانية في العالم في ذلك الوقت. تولت رئاسة لجنة الثقافة والإعلام والسياحة بمجلس الشعب، حيث خاضت معارك تشريعية ضخمة للدفاع عن حقوق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية والخلع، بالإضافة إلى اقتراحها المثير للجدل في نهاية ولاية الرئيس الراحل أنور السادات بفتح مدد الرئاسة لمدى الحياة.

إنجازات خدمية وتراثية ملموسة

شهدت دائرتها الانتخابية طفرة خدمية واسعة بفضل جهودها، حيث نجحت في إدخال مشاريع البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب، إلى جانب رصف الطرق وبناء 11 مدرسة وخمسة مراكز للشباب. لم تتوقف عند هذا الحد، بل أسست مؤسسات خيرية لرعاية الفقراء والأيتام والمساهمة في بناء المستشفيات، مؤكدة أنها لم تنسَ دورها كامرأة وزوجة لوزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل، رغم انشغالها الدائم بالعمل العام، كما أنها شقيقة الموسيقار عبد الرحمن الخطيب والموسيقار سليمان جميل ومطربة الأوبرا أميرة كامل.

سعت الراحلة في سنواتها الأخيرة بمجلس الشعب إلى حماية التراث السينمائي، حيث أعدت مشروع قانون للحفاظ على هذا الإرث الثقافي الضخم من الطمس في ظل عصر العولمة. مثلت المرأة في العديد من المؤتمرات الدولية والمحافل الأوروبية والعربية والأفريقية، وظلت مدافعة صلبة عن قضايا المجتمع حتى أصبحت سيرتها مثالاً للقدرة على التوفيق بين متطلبات الفن الراقي ومسؤوليات العمل السياسي الشاق، تاركة خلفها إرثاً لا يمحوه الزمن ومكانة خاصة في سجلات النواب الأكثر تأثيراً في التاريخ المعاصر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى