
يسود قلق متزايد في الشمال اللبناني، فالتصريحات العلنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمال تدخل سوري في لبنان تحت شعار التعامل مع حزب الله، إلى جانب التقارير الأمنية الصادرة عن سفارات دول معنية، تفضي إلى نتيجة واحدة: أن الشمال اللبناني بات في دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، وأن أي اهتزاز أمني فيه لن يُقرأ باعتباره حدثًا محليًا معزولًا، بل جزءًا من مشهد أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية.
في الكواليس، تتردد أحاديث عن مخاطر حقيقية وعن مرحلة قد تحمل تطورات أمنية دراماتيكية، مع تزايد التداول باسم أبو مالك التلي وتحركاته من الشمال السوري إلى منطقة القصير المحاذية للحدود مع لبنان. وربما يندرج جزء كبير من هذه الأحاديث في إطار التهويل المتعمد، خصوصًا في ظل الاحتقان الطائفي المتصاعد داخليًا، والذي يكاد يخرج عن السيطرة مع انسداد أفق الوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب.
فكلما تعقّد المشهد اللبناني، ارتفعت وتيرة الشائعات الأمنية، وأصبح الشمال ساحة مناسبة لتبادل الرسائل السياسية والإقليمية، وما يرافق ذلك من روايات عن حشد مجموعات مسلحة تمهيدًا للتسلل نحو شمال لبنان والبقاع، والدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع حزب الله.
التاريخ اللبناني يقدم شواهد واضحة. فالتدخل السوري في لبنان خلال الثمانينيات لم يكن حدثًا منفصلًا عن مجريات أحداث الداخل السوري، بل جاء انعكاسًا لاضطرابات عميقة، من أحداث حماة إلى الصراع المرير بين حزب البعث وتنظيم الإخوان المسلمين، إضافة إلى التنافس الدموي مع ياسر عرفات. وقد انعكست تلك الصراعات مباشرة على لبنان، وخصوصًا طرابلس، التي شهدت بين عامي 1983 و1985 حربًا مفتوحة برز خلالها البعد السني – العلوي في المواجهات بين باب التبانة وجبل محسن.
وتكرر المشهد بصورة مختلفة مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ تحولت التبانة وجبل محسن مجددًا إلى ساحة اشتباكات عبثية عكست الانقسام اللبناني حول النظام السوري والمعارضة. ومع وصول أحمد الشرع إلى السلطة ضمن تفاهم إقليمي – دولي، لم تُحسم العلاقة اللبنانية – السورية بصورة نهائية، بل بقيت خاضعة لتوازنات الخارج وحساباته.
غير أن السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت هناك مجموعات مسلحة قادرة على تهديد الشمال فحسب، بل ما إذا كانت العاصمة السياسية في بيروت تدرك حجم الهشاشة التي يعيشها هذا الشمال. فالمشكلة ليست أمنية فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضًا.
مناطق واسعة من عكار والمنية والضنية وطرابلس تعاني من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، ما يجعلها أكثر عرضة لاستثمار التوترات السياسية والمذهبية.
من هنا، فإن تحويل الشمال إلى «خاصرة رخوة» في الصراع الإقليمي سيكون خطأً استراتيجيًا ينبغي تداركه دون تردد، فلبنان لا يحتمل إعادة إنتاج نموذج التبانة – جبل محسن، ولا فتح جبهة جديدة تضاف إلى جبهة الجنوب. والمطلوب اليوم مقاربة مختلفة تقوم على تعزيز حضور الدولة، ودعم الجيش والقوى الأمنية، وإبعاد الشمال عن لعبة الرسائل المتبادلة بين العواصم.
يبقى أن القلق القائم مفهوم في ظل المشهد المضطرب، لكن تحويله إلى يقين بوقوع انفجار أمني واسع قد يخدم أجندات متعددة أكثر مما يعكس وقائع ميدانية ثابتة. وبين التهويل والاحتمالات الواقعية، يبقى الشمال اللبناني في عين العاصفة، لكنه أيضًا في عين الإقليم الذي يراقب لبنان باعتباره جزءًا من معادلة أكبر لم تُحسم فصولها بعد.







