من ذاكرة التاريخ: أسرار وحكاية المليونير البسيط علي الكسار

يستحضر التاريخ الفني في الثالث عشر من يوليو عام 1887 ذكرى ميلاد أحد أعمدة الكوميديا والمسرح، وهو الفنان الذي ارتبط اسمه بـ علي الكسار، ذلك المبدع الذي استطاع بناء إمبراطورية ضحك تنافس كبار النجوم في عصره. ورغم أن تاريخ اليوم يوافق الثاني عشر من يوليو، إلا أننا نعود بذاكرة التاريخ لنتوقف عند محطات هذا العملاق الذي لم يكن مجرد ممثل، بل كان صانع بهجة استثنائيًا واجه تحديات الزمان بذكاء فطري وحضور طاغٍ أمام عدسات الكاميرات وخلف كواليس المسارح الكبرى.
محطات في حياة حضرة صاحب الرفعة الوجيه
بدأ رحلته في حي البغالة باسم علي محمد خليل سالم، قبل أن يقرر استبدال لقبه بـ علي الكسار تخليدًا لذكرى والدته التي ضحت بفرنها الخاص لإنقاذه من التجنيد. تنقل في مهن شاقة من السروجية إلى الطبخ، حيث اكتسب مهارة إتقان اللهجة النوبية من خلال مخالطة النوبيين في مهنة الطهي، وهي المهارة التي مهدت لاحقًا لظهور شخصية “عثمان عبد الباسط” الشهيرة التي قدمها في أعمال عديدة، منها “البربري في باريس” و”البربري في مؤتمر استوكهولم” و”البربري الفيلسوف”.
انطلق نجم علي الكسار في سماء شارع عماد الدين حينما التقى بفرصة ذهبية في كازينو دي باري، حيث خلق حالة من المنافسة الفنية الشريفة مع كشكش بيك، مما دفع الأخير للذهاب للمسرح ودراسة أسباب نجاح هذا الفنان الذي جذب الجمهور بعروض استعراضية مبتكرة. لم يكتفِ بذلك، بل أسس فرقته الخاصة على مسرح الماجستيك في السادس من يناير عام 1919، وقدم باقة من المسرحيات التي حفرت اسمه في وجدان الجمهور العربي، مستعينًا بكوكبة من الملحنين والممثلين العمالقة.
صراعات الفن والتنافس في شارع عماد الدين
شهد شارع عماد الدين فصولًا من التنافس الفني البديع بين علي الكسار ونجيب الريحاني، حيث تبادلا الردود عبر أسماء المسرحيات بشكل ذكي ومباشر، فبعد مسرحية حمار وحلاوة للريحاني، رد الكسار بـ “عقبال عندكم”، ليتوالى الرد والرد المضاد عبر مسرحيات مثل “قلنا له” و”فلفل” و”الدنيا بخير”. هذا التنافس كان المحرك الأساسي لتطور المسرح الغنائي والاستعراضي، بينما كان سيد درويش يضع بصماته الموسيقية الخالدة التي ربطت بين الكسار وجمهور الشعب في كل مكان، ومنها أغنية “محسوبكوا إنداس” عام 1919.
انتقل هذا النجاح إلى السينما، حيث بدأ علي الكسار مسيرته السينمائية الصامتة بفيلم “الخالة الأميركانية” عام 1920، ثم انطلق بقوة مع بداية السينما الناطقة عام 1935 بفيلم “بواب العمارة”، ليشكل ثنائيًا ناجحًا مع المخرج توجو مزراحي، قدم خلاله سلسلة أفلام بارزة مثل “غفير الدرك” و”سلفني 3 جنيه” و”علي بابا والأربعين حرامي”. ورغم شهرته بالشخصية السمراء، إلا أنه كان يستخدم خلطة سرية خاصة لصباغة وجهه يوميًا، محتفظًا ببشرته الفاتحة في حياته الشخصية.
تميزت حياته بعيدًا عن الأضواء بالبساطة والمهابة، حيث كان يمتلك ثروة طائلة مكنته من لقب المليونير الخفي، لكنه ظل يسكن في حي شبرا عائشًا حياة متواضعة. رحل عن عالمنا في الخامس عشر من يناير عام 1957 بعد مسيرة حافلة، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا لا ينسى، وآخر كلمات ودع بها ابنه في مستشفى قصر العيني، محذرًا إياه من مغبة النسيان، ليرحل تاركًا عصاه شاهدًا على رحلة كفاح بدأت من فرن بسيط وانتهت بلقب صاحب الرفعة الوجيه.








