
إن ضبابية الحدود بين المصالح العامة والخاصة في البيت الأبيض الحديث لها سوابق كثيرة، لكنها قد تختبر بعدُ مدى تسامح الناخبين الأمريكيين.
في هذه الأيام، يبدو دونالد ترامب مثل «ميداس» الحديث، يحيل كل ما يلمسه إلى ذهب. إن تراكم ثروته الشخصية أثناء توليه منصبه أمر لا مثيل له في التاريخ الأمريكي الحديث، تماماً مثل تداخل المصالح العامة والخاصة خلال رئاسته. ولا يمر شهر واحد تقريباً دون تقارير جديدة عن مخطط محلي أو خارجي جديد للإثراء الذاتي.
لطالما دمج الملوك والديكتاتوريات مصالحهم الشخصية بمصالح الأمة، وهذا، بمعنًى ما، من صلاحياتهم الحصرية. أما الديمقراطيات الليبرالية فقد وُجدت على وجه التحديد لمنع مثل هذا الاندماج، من خلال القيود القانونية والدستورية، والرقابة المؤسسية، وقوة الأعراف المدنية. ومع ذلك، فإن هذا يحدث في أمريكا تحت حكم ترامب.
حقّق الرئيس ما لا يقل عن 2.2 مليار دولار في عامه الأول بعد العودة إلى منصبه، وهو ما يتجاوز ثلاثة أضعاف دخله المعلن في العام السابق، مع تدفق ثروات إضافية كبيرة على أفراد عائلته. وأمام هذه المكاسب تتقزم مكاسب أي رئيس سابق. وتظهر حمى شراء الأسهم المذهلة التي قام بها، والتي بلغت نحو 22,000 صفقة في عام 2025، تراوحت قيمتها بين 461 مليون دولار و1.4 مليار دولار، وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز»، مدى ربطه لثرواته الشخصية بثروات البلاد في لحظة من الانتعاش المالي العام.
لقد وصل ترامب إلى النصر في انتخابات عام 2016 مدفوعاً بحملة لـ«تجفيف المستنقع»، وأخبر مؤيديه أنه سيكبح نفوذ أصحاب المصالح الخاصة ويطهر الحكومة الفيدرالية من البيروقراطيين الراسخين. وفي ولايته الثانية، شحن تلك المهمة بقوة أكبر عبر برنامج تخفيضات جنوني نفذته ما تسمى «وزارة كفاءة الحكومة». ومع ذلك، وبينما كان يهاجم شكلاً من أشكال الإفراط، فقد استجلب شكلاً آخر يتركز حول مكاسبه الخاصة.
يُعد ترامب شخصية فريدة من نوعها في تاريخ أمريكا في نواحٍ كثيرة. فلطالما ألزمت التقاليد الأمريكية مسؤوليها بمعايير النزاهة، خادم الجمهورية المؤثر على نفسه، بدءاً من استقالة جورج واشنطن من منصبه العسكري إلى تنحي جيمي كارتر عن إدارة عمله في زراعة الفول السوداني.
لقد غادر العديد من الرؤساء مناصبهم بوضع مالي أسوأ مما كانوا عليه عند دخولها. وقد أرسى واشنطن هذا النهج برفضه الراتب في البداية. واستهلك كل من توماس جيفرسون وجيمس ماديسون رأس مالهما الخاص لتمويل مآدب الدولة والاستقبالات، وغادر جيفرسون منصبه غارقاً في الديون. وبحلول منتصف القرن العشرين، دفع الوضع المالي شبه المعدم لهاري ترومان في تقاعده دوايت أيزنهاور إلى إنشاء المعاش التقاعدي الرئاسي.
ومنذ ذلك الحين تطورت الأعراف، حيث جمع معظم الرؤساء منذ جيرالد فورد ثروات طائلة من المشاركات العامة مدفوعة الأجر والمذكرات المنشورة. ومع ذلك، فقد امتنعوا عن تسييل الرئاسة، أي تحويلها إلى مصدر مال، أثناء وجودهم في المنصب. وفي ولايته الثانية، يبرز ترامب بانتهاكه الصارخ لهذا العرف، حيث احتفظ بملكية «منظمة ترامب» في صندوق ائتماني قابل للإلغاء بدلاً من بيعها أو وضعها في صندوق ائتماني عمي، أعمى لا يتدخل فيه، مسلماً الإدارة اليومية لولديه دونالد جونيور وإريك.
لا ينتهك هذا الترتيب أي متطلب قانوني، لكنه يمثل خروجاً عن سلوك الرؤساء السابقين. وغالباً ما يُستشهد بجيمي كارتر كمعيار ذهبي للسلوك الأخلاقي، بعد أن تضرر مالياً نتيجة لوضع مزرعة الفول السوداني الخاصة به في صندوق ائتماني عمي، حيث بيعت الشركة في نهاية المطاف. كما وضع رونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن أصولهم في صناديق ائتمانية عمية. ولم يكن لباراك أوباما وجو بايدن أي ممتلكات تجارية كبرى.
في بادئ الأمر، أظهر الأمريكيون انفتاحاً تجاه احتفاظ ترامب بالملكية مع تراجعه عن الإدارة، فقد وجد استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ في ديسمبر 2016 أن 69% من المستطلعين اعتبروا أن مطالبة الرئيس المنتخب ببيع جميع مصالحه التجارية أمر «يذهب بعيداً جداً». وفي الواقع، خسر ترامب جزءاً من ثروته خلال ولايته الأولى، حيث انخفض تقدير مجلة فوربس لصافي ثروته بمقدار يزيد عن الثلث بحلول نهايتها.
وبطبيعة الحال، وكما يجادل ترامب نفسه، فإن ثروته يمكن أن ترتفع أثناء وجوده في المنصب بشكل مستقل عن أي إجراء من جانبه، مدفوعة بمكاسب السوق، حيث ارتفع مؤشر S&P بنحو 25% منذ بداية ولايته الثانية، وبالنمو التجاري الطبيعي، حيث ينجذب العملاء والشركاء بفعل ظهوره الإعلامي المستمر وبرستيج المنصب. وخلال سنواته الثماني في المنصب، تقدر فوربس أن باراك أوباما حقق 10.8 مليون دولار، كان جزء كبير منها من عائدات الكتب المنشورة قبل رئاسته.
ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من مكاسب ترامب في ولايته الثانية يأتي من صفقات نشطة عبر كيانات منفصلة عنه رسمياً، ولكنها مرتبطة به اقتصادياً، عملات «ميم» أُطلقت قبل أيام من تنصيبه، واتفاقيات ترخيص، وتداولات أسهم. ووفقاً لإفصاحه المالي لعام 2025 الذي صُدر الأسبوع الماضي، فقد حقق ما يقرب من 1.2 مليار دولار من صفقات العملات المشفرة وحدها العام الماضي.
إن حجم إعلانات الصفقات التي تشمل مصالح تجارية مرتبطة بترامب وعائلته يدعو للذهول. فهي تشمل مشاريع عقارية لمنظمة ترامب في قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ومنصة للعملات المشفرة، وصناديق رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة المرتبطة بأبنائه. ويشمل العديد منها كيانات مرتبطة بالدول، وقد حدث بعضها بالتزامن مع تحولات في السياسة الأمريكية لصالح البلدان المعنية.
وتمتد التضاربات المتصورة إلى الجهود المعلنة لزوج ابنته، جاريد كوشنر، لطلب استثمارات لصندوق الأسهم الخاصة به من نفس الحكومات الأجنبية التي يواجهها في مفاوضات الشرق الأوسط الحساسة كمبعوث سلام. ورغم عدم ظهور أي دليل على مقايضة، منفعة متبادلة، إلا أنه من الصعب تجاهل مظهر تضارب المصالح. ويشير المؤيدون إلى أنه لم تثبت إدانة ترامب بأي فساد، وأن صفقات عائلته ليست دليلاً على ارتكاب أي مخالفات.
إن تجربة ترامب لها سلف غريب في التاريخ البريطاني، سلف شكل بعمق تفكير الجمهورية الأمريكية. فقد كانت بريطانيا قد هزتها «فقاعة بحر الجنوب» التي انفجرت عام 1720. وكانت شركة بحر الجنوب مشروعاً سياسياً، ومبادرة من حزب المحافظين لمنافسة ابتكار حزب الأحرار المتمثل في بنك إنجلترا، وقامت على رشوة البرلمانيين بالأسهم. وبعد الانهيار، جرت ملاحقة مديريها قضائياً ومصادرة ممتلكاتهم. واشتكى المؤرخ إدوارد جيبون، حفيد أحد هؤلاء المديرين، بمرارة من إفقار عائلته.
لقد أدى انهيار بحر الجنوب إلى تشويه سمعة فساد المحافظين، ولكن ما ظهر بعد ذلك كان بديلاً من حزب الأحرار. فقد بنى روبرت والبول سمعته من خلال التحذير من الفقاعة، وبعد الانهيار قام بحماية الملك، جورج الأول، وطوّر مقترحاً لإعادة هيكلة الشركة وتوحيد الديون الحكومية. وأصبح أول رئيس وزراء فعلي لبريطانيا وطوّر نظام رعاية واسع النطاق إلى جانب برنامج للإثراء الذاتي الهائل.
وقد ازدهرت عائلته معه، حيث تولى شقيقه إدارة الأموال للجيش والدبلوماسيين البريطانيين في الخارج، وشغل







