أزمات الحضانة في العراق: هل تضيع مصلحة الطفل بين ثغرات القوانين؟

تتصاعد حدة الجدل حول ملف الحضانة في العراق، مع تزايد المطالبات الحقوقية بضرورة تغليب مصلحة الصغير على أي صراعات قانونية أو اجتماعية بين الوالدين، لا سيما في ظل التداعيات النفسية المترتبة على قرارات المحاكم التي قد تؤدي إلى انتزاع الطفل من كنف والدته. وتؤكد الناشطة الحقوقية طاهرة داخل طاهر، أن أي تشريع قانوني يختص بمسألة إبعاد الابن عن أمه يستوجب تقييماً دقيقاً ومستفيضاً ينطلق حصراً من معيار المصلحة الفضلى للطفل، وليس بناءً على الحقوق المتنازع عليها بين الكبار، وذلك لضمان استقرار نفسي وأمن وجداني للأجيال الناشئة.
شهادات واقعية تضع النقاط على الحروف
تتعدد القصص المأساوية التي تروي تفاصيل قاسية لانتزاع الحضانة، حيث تشير التقارير إلى معاناة سيدة تبلغ من العمر عقوداً شهدت حياتها تحولات جذرية بدأت بزواجها في عام 2014، حيث واجهت صنوفاً من العنف والتعنيف البدني، مما اضطرها لترك منزل الزوجية والعودة إلى كنف والديها في عام 2020، واستمرت حياتها بعيداً عن شريكها حتى عام 2025، لتفاجأ لاحقاً بعد طلاقها الخلعي بدعوى قضائية تهدف لسلبها حق رعاية ابنتها، وذلك بعد تحويل عقد زواجها قسرياً إلى المدونة الجعفرية، وهو ما يجسد بوضوح تعقيدات هذا الملف الشائك.
وتعكس قضية أخرى، لسيدة عانت من تحويل عقد زواجها وفقاً للقانون رقم 1 لسنة 2025 رغم طعنها القانوني، مدى وطأة هذه القرارات، إذ حُرمت من طفلها البالغ من العمر 11 عاماً، ليتم تسليمه للأب في بداية شهر مارس، مما أدى إلى انقطاع تام للتواصل وانهيار صحي ونفسي للطفل استدعى نقله للمشافي، بينما تظل دعاوى المشاهدة والمبيت معلقة في أروقة القضاء منذ مارس، مع استمرار التأجيلات المتكررة التي تزيد من فجوة المعاناة الإنسانية للطفل ووالدته على حد سواء.
نحو رؤية قانونية ترعى استقرار الأسرة
تستدعي هذه الأوضاع وقفة جادة تجاه مصلحة المحضون أولاً، وهي الدعوة التي تتبناها العديد من الأوساط الحقوقية، حيث توضح طاهرة داخل طاهر أن مكانة الأم لا تنحصر في الأدوار التقليدية، بل تتعداها لتكون الركيزة الأساسية في توجيه النشء خلال الأزمات، مشددة على أن القوانين الحديثة يجب أن تتحرر من القوالب النمطية وتنظر بعمق لمتطلبات التربية والتنشئة السليمة. إن المطالبة بتقديم المصلحة الفضلى لا تعني الانتقاص من دور الأب، بل تهدف لخلق توازن يضمن بيئة آمنة للطفل تبتعد به عن تداعيات النزاعات القضائية.
وتضيف الناشطة أن تعزيز الاستقرار النفسي يتطلب وعياً مجتمعياً يرفض العنف الأسري، ويؤكد على أن البيئة العاطفية التي توفرها الأم هي الحصن الأول للطفل، فالتراث الشعبي يدرك تماماً تلك المكانة الاستثنائية التي تلعبها الأم في توفير الحنان والبركة داخل المحيط الأسري، وهو ما يوجب على المشرعين والباحثين اعتماد تقييمات علمية ونفسية دقيقة عند اتخاذ أي قرارات تخص الحضانة، مع الحفاظ على حق الطفل في الرعاية المشتركة والآمنة التي تجمع بين طرفي الأسرة دون تدمير روابطه العاطفية.
تتطلب المرحلة الراهنة توعية شاملة تركز على قيم الحوار والاعتذار في حل الخلافات الأسرية بعيداً عن أروقة المحاكم، فبناء شخصية الطفل المتوازنة يعتمد بالأساس على الأمان الوجداني والارتباط العاطفي المستقر. إن الهدف الأسمى من أي تشريع هو حماية الأطفال من أي خراب نفسي قد يترتب على قرارات متسرعة أو نصوص قانونية جامدة، وضمان مستقبل مشرق للأجيال في كنف أسرة متكاتفة تسودها الرحمة، وتُحترم فيها حقوق الطفل كأولوية قصوى فوق أي اعتبار شخصي أو قانوني، بما يخدم استقرار المجتمع ككل في مختلف الشهور، من يناير وحتى ديسمبر.







