تضييق إسرائيلي جديد على زيارات الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين في المعتقلات

تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي قيوداً تعجيزية صارمة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين في السجون ومراكز الاحتجاز، وذلك في تحدٍ سافر لقرارات المحكمة العليا التي أقرت في يونيو ٢٠٢٦ بعدم قانونية منع هذه الزيارات. وتأتي هذه الإجراءات التعسفية لتنسف أي أمل في تحسين أوضاع المعتقلين، حيث أقر مفوض مصلحة السجون كوبي يعقوبي قواعد جديدة قاسية تسري لمدة ستة أشهر، تهدف إلى عزل المعتقلين عن العالم الخارجي وتحويل حياتهم إلى جحيم مستمر تحت مسمى إجراءات أمنية لا تستند إلى أي معايير قانونية دولية أو إنسانية.
وتتعمد مصلحة السجون الإسرائيلية انتهاك حقوق الإنسان عبر وضع آليات معقدة تعرقل زيارات الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، حيث حددت الزيارات بمرة واحدة كل ثلاثة أشهر فقط، مع فرض شرط مسبق بتقديم قائمة تضم ٥ أسرى فقط يتم اختيارهم بدقة لتشملهم الزيارة. ولا تتوقف الممارسات عند هذا الحد، إذ تمنح القواعد قائد مركز الاحتجاز صلاحية مطلقة لتقليص مدة اللقاء التي لا تتجاوز ٣٠ دقيقة، مما يجعل التواصل مع المعتقلين شكلياً ولا يحقق أي هدف إنساني أو رقابي على أوضاعهم المأساوية داخل الزنازين.
وتحظر القواعد الجديدة زيارات الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين المصنفين ضمن فئة “شديدي الخطورة”، بالإضافة إلى منع الزيارات عن المحكومين بالسجن الانفرادي أو الخاضعين للتحقيق، مما يعني عزل شرائح واسعة من المعتقلين عن أي متابعة خارجية. وتتضمن الإجراءات أيضاً منع اللقاءات الشخصية والخاصة التي كانت تتيح سابقاً تبادل المعلومات أو إجراء فحوصات طبية ضرورية، حيث يضطر ممثلو اللجنة الدولية للقاء السجين من خلف حاجز فاصل وباستخدام جهاز اتصال داخلي، وهي تقنية تحاكي أساليب القمع التي كانت تُمارس بحق ذوي الأسرى لزيادة شعورهم بالإذلال.
وتُمارس سلطات الاحتلال تضييقاً أمنياً على وفود الصليب الأحمر، حيث تخضعهم لعمليات تفتيش دقيقة عند مداخل السجون، وتفرض حظراً مطلقاً على إدخال أجهزة التسجيل، والهواتف المحمولة، والساعات الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، والكاميرات، وأي معدات اتصال أخرى. وتأتي هذه التضييقات لتمنع أي توثيق للانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى في ظل تدهور أوضاعهم منذ تولي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مهامه نهاية عام ٢٠٢٢، حيث تُطبق سياسات ممنهجة للتجويع والتعذيب والإهمال الطبي المتعمد.
وتشير التقارير إلى أن مراكز الاحتجاز العسكرية، وخاصة تلك التي تضم معتقلين من قطاع غزة، شهدت عمليات تعذيب مروعة، كان أبرزها ما كُشف عنه في يوليو ٢٠٢٤ من اعتداء جنسي وحشي على أسير فلسطيني في معتقل سدي تيمان، مما تسبب له بإصابات خطيرة، وهو الحادث الذي وثقته مقاطع فيديو سُربت في أغسطس ٢٠٢٥، مما فضح ممارسات السجانين أمام العالم أجمع. ويقبع حالياً في السجون الإسرائيلية نحو ٩٥٠٠ أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يواجهون ظروفاً لا إنسانية أدت إلى استشهاد عشرات منهم نتيجة السياسات القمعية الممارسة ضدهم.
وتنفذ سلطات الاحتلال هذه الإجراءات دون استشارة المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا، رغم حساسية هذه القواعد وتداعياتها القانونية الدولية التي قد تضع الكيان في مواجهة مع المنظمات الحقوقية العالمية. ويستمر هذا التضييق على زيارات الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين كأداة ضغط سياسي وأمني في ظل استمرار الحرب منذ أكتوبر ٢٠٢٣، حيث أثبتت مصلحة السجون أنها لا تقيم وزناً للمحاكم التي تتبع لها، بل تصر على مواصلة انتهاكاتها بحق الآلاف من المعتقلين الفلسطينيين المحرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية والمعيشية في ظل صمت دولي مريب.







