د. أيمن نور يكتب: العدالة والدستور… من نص ميت لضمانة حية . مصر الممكنة 2030 (42) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (13)

يعرف المصريون، أكثر من غيرهم، أن الدساتير قد تكون جميلة الصياغة، رفيعة اللغة، عامرة بالحقوق والحريات، ثم تبقى رغم ذلك بعيدة عن حياة الناس. فالنص الدستوري لا يكتسب قيمته من جمال عباراته فقط، بل من قدرته على أن يتحول إلى حماية يومية للمواطن حين تضيق به السبل، أو حين يواجه سلطة أقوى منه، أو حين يبحث عن حقه في محكمة أو قسم شرطة أو جهة إدارية.
عشتُ مع الدستور طويلًا؛ درسته في الجامعة، وناقشته في البرلمان، واستدعيت نصوصه في المرافعات والمذكرات، ثم اختبرته في لحظات أكثر قسوة حين يصبح النص المكتوب عن الحرية على بعد خطوات من باب زنزانة مغلقة. هناك فقط يدرك الإنسان أن الدستور ليس كتابًا على رف، ولا وثيقة ترفع في المناسبات، بل وعد أخلاقي وقانوني لا يجوز أن تخلفه الدولة مع مواطنيها.
أزمة العدالة في مصر لا تنفصل عن أزمة العلاقة بين الدستور والواقع. فالدستور ينص على استقلال القضاء، وحرمة الحرية الشخصية، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، وعلانية المحاكمة، وحرمة الملكية، وحرية التنقل، والمساواة أمام القانون. لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يقول الدستور؟ السؤال الأصعب: ماذا يبقى من هذه النصوص حين تمر عبر دهاليز الإجراءات والاستثناءات والتعليمات والممارسات اليومية؟
الدستور الحي ليس الدستور الذي تُحفظ مواده في الامتحانات أو تُستدعى عباراته في الخطب، بل الدستور الذي يشعر به المواطن في حياته العادية. يشعر به حين لا يُقبض عليه إلا وفق قانون، وحين يجد محاميًا إلى جواره منذ اللحظة الأولى، وحين لا يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، وحين لا تُصادر أمواله أو تُقيد حركته دون ضمانات حقيقية، وحين تقف المحكمة بينه وبين السلطة لا خلف السلطة في مواجهته.
لهذا فإن إصلاح مرفق العدالة يجب أن يبدأ من إعادة وصل ما انقطع بين الدستور والمؤسسات. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب النص، بل في ضعف النفاذ. وقد يكون لدينا نص دستوري متقدم، ثم تأتي القوانين العادية لتضيقه، أو تأتي اللوائح لتفرغه، أو تأتي الممارسة لتتجاوزه. وهنا تصبح الرقابة الدستورية والقضائية ضرورة لا ترفًا.
المحكمة الدستورية العليا، في لحظات ازدهارها، قدمت لمصر وللعالم العربي نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يفعله القضاء حين يأخذ الدستور مأخذ الجد. لم تكن أحكامها مجرد تطبيقات فنية، بل كانت أحيانًا دروسًا في الحرية والمساواة والشرعية. وكان المستشار عوض المر، وغيره من رموز تلك المرحلة، يكتبون الحيثيات كأنهم يكتبون في ضمير الدولة لا في ملف دعوى فقط.
ومجلس الدولة، بدوره، كان في محطات كثيرة حارسًا لفكرة خضوع الإدارة للقانون. فقد علّم المصريين أن القرار الإداري ليس قدرًا، وأن السلطة ليست معصومة، وأن المواطن يستطيع أن يخاصم الدولة أمام قاضيها وأن ينتصر إذا كان القانون إلى جواره. وهذه الفكرة وحدها من أعظم ما أنتجته الدولة القانونية الحديثة.
لكن قوة الدستور لا تعيش على ذاكرة الأحكام العظيمة وحدها. فكل جيل يحتاج إلى أن يعيد اختبار النصوص في قضاياه الجديدة. واليوم تواجه مصر أسئلة دستورية لم تكن مطروحة بهذه الحدة قبل عقود: حدود مكافحة الإرهاب، شرعية التوسع في الحبس الاحتياطي، حماية البيانات والخصوصية الرقمية، استقلال النيابة العامة، الحقوق السياسية في ظل القوائم والإدراجات، وعلاقة التشريع العادي بالضمانات الدستورية.
لا يجوز أن يتحول الدستور إلى سقف مرتفع في النصوص وأرض منخفضة في التطبيق. فالدولة التي تضع في دستورها ضمانات واسعة ثم تسمح للتشريعات الاستثنائية بأن تلتهمها تدريجيًا، تضع نفسها أمام تناقض خطر. والتناقض بين النص والممارسة لا يبقى طويلًا داخل الكتب، بل ينتقل إلى الشارع، وإلى الاستثمار، وإلى ثقة الناس في القانون.
من أخطر ما يهدد الحياة الدستورية أن يعتاد المواطن على الفجوة بين الحق المكتوب والحق الممارس. فعندما يقرأ أن الحرية الشخصية مصونة ثم يرى الحبس يطول قبل الحكم، أو يقرأ أن الدفاع حق مقدس ثم يرى المحامي مقيدًا في أداء دوره، أو يقرأ أن الملكية محمية ثم يرى تجميد الأموال بآثار واسعة قبل حسم جنائي نهائي، تبدأ الثقة الدستورية في التآكل.
الدستور ليس عدوًا للدولة، بل حمايتها العليا. فالسلطة التي تتقيد بالدستور لا تضعف، بل تكتسب شرعية أعمق. والدولة التي تحترم الضمانات لا تتنازل عن الأمن، بل تجعل أمنها أكثر استدامة. أما الدولة التي ترى في الضمانات عبئًا، فإنها تنفق من رصيدها المعنوي حتى لو ظنت أنها تربح وقتًا أو سيطرة.
خبرتي البرلمانية علمتني أن التشريع قد يكون جسرًا إلى الحرية، وقد يكون بابًا لتقييدها. الفارق لا تحدده النوايا المعلنة، بل تحدده الصياغة والضمانات والرقابة وإمكان الطعن. لذلك يجب أن تخضع كل التشريعات المتصلة بالحريات العامة لمراجعة دستورية صارمة، لا بعد صدورها فقط، بل أثناء إعدادها ومناقشتها، حتى لا يتحول البرلمان إلى مصنع قوانين ثم تظل المحاكم وحدها تحاول ترميم ما كُسر في لحظة استعجال سياسي.
تحتاج مصر إلى ثقافة دستورية أوسع من النخب القانونية. فالدستور لا ينبغي أن يبقى شأنًا بين القضاة والمحامين وأساتذة القانون، بل يجب أن يصبح جزءًا من وعي المواطن. المواطن الذي يعرف حقوقه أقدر على حمايتها، والدولة التي تعلم مواطنيها الدستور لا تخشاهم، بل تبني معهم علاقة أكثر نضجًا واحترامًا.
ومن هنا فإن خريطة إصلاح العدالة حتى 2030 يجب أن تتضمن محورًا واضحًا للحماية الدستورية، يبدأ بتوسيع نشر الأحكام الدستورية وتبسيطها للرأي العام، ويمر بإدخال الثقافة الدستورية في التعليم والإعلام والتدريب الإداري، وينتهي بتقوية آليات الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، خاصة تلك التي تمس الحرية الشخصية والملكية والحقوق السياسية.
كما ينبغي تطوير آليات الوصول إلى العدالة الدستورية. فالدستور لا يحمي المواطن إذا بقي الطريق إليه شديد التعقيد أو البطء. وكلما كانت وسائل الدفع بعدم الدستورية أكثر فعالية ووضوحًا، زادت قدرة المجتمع على تصحيح انحراف التشريع قبل أن يتحول إلى واقع ممتد يصعب علاجه.
لا أتصور إصلاحًا حقيقيًا لمرفق العدالة دون إعادة الاعتبار لفكرة سمو الدستور. فالنيابة العامة يجب أن تعمل تحت ظله، والقاضي يجب أن يستمد منه شجاعة الحكم، والمشرع يجب أن يتذكر حدوده أمامه، والإدارة يجب أن تعرف أن قرارها، مهما بدا قويًا، يظل أدنى من نص دستوري يحمي مواطنًا واحدًا.
مصر الممكنة في عام 2030 تحتاج إلى دستور لا يعيش في الاحتفالات، بل في أقسام الشرطة والمحاكم ومكاتب الشهر العقاري ومقار الاحتجاز ومكاتب الموظفين. تحتاج إلى دستور يحمي المختلف قبل المؤيد، والضعيف قبل القوي، والمتهم قبل المدان، والمواطن قبل الإدارة.
هناك فقط تصبح العدالة امتدادًا طبيعيًا للدستور، لا استثناءً من نصوصه. وهناك فقط يتحول الدستور من وثيقة جميلة إلى ضمانة حية، ومن وعد مؤجل إلى ممارسة يومية، ومن كلمات مكتوبة إلى حياة أكثر كرامة وعدلًا.
الحلقة التالية
مصر الممكنة 2030 (43)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (14)
العدالة والديمقراطية… لا حرية بلا قاضٍ مستقل
:::







