شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: غباء الأصدقاء… وسر الـ4 حروف . اقرأ هذه الورقة «الأخيرة»، فربما أنت المقصود!

أكثر ما أخشاه، بعد هذا العمر، ألا ينساني الناس، بل أن أتعلم أنا طريقتهم في النسيان. أن يصبح الغياب عاديًا في عيني، وأن تمر أسماء الذين أحببتهم أمامي فلا أتوقف، وأن أقرأ وجعًا أعرف صاحبه ثم أكتفي بعلامة صغيرة تؤدي عن قلبي واجب الحضور. أخشى أن أتشبه، من حيث لا أشعر، بمن يختزلون أنفسهم في رمز على شاشة هاتفك، ثم يمضون مطمئنين إلى أنهم لم يتركوا أحدًا وحيدًا.

عشت حياتي بين الناس. لم أعرف نفسي يومًا من خلال منصب شغلته، ولا مقعد جلست عليه، ولا لقب سبق اسمي، ولا معركة سياسية ربحتها أو خسرتها. عرفت نفسي في الوجوه التي أحاطت بي، وفي البيوت التي فتحت أبوابها، وفي الأيدي التي امتدت إليّ، وفي الحكايات التي عبرت حياتي وتركت فيها أثرًا. كانت ثروتي الحقيقية بشرًا؛ أصدقاء، وأقارب، وزملاء صحافة ومحاماة وبرلمان، ورفاق أحلام وهزائم وسجون ومنافٍ، وخصومًا احتفظ الخلاف بيننا بشرفه فلم يقتل الإنسان داخلنا.

لم تكن السياسة عندي مهنة منفصلة عن الناس، بل كانت طريقًا إليهم. ولم تكن الصحافة حبرًا على ورق، بل نافذة أرى منها ما يؤلمهم وما يحلمون به. ولم تكن المحاماة مرافعات ومذكرات على ورق، بل دفاعًا عن إنسان قد لا أعرفه، لكنه يشبهني في حاجته إلى العدل. وحتى السجن، على قسوته، لم ينجح يومًا في أن يجعلني وحيدًا؛ كانت الجدران تضيق، لكن دوائر المحبة تتسع، وكانت الزنزانة مغلقة، لكن الطريق إلى القلوب ظل مفتوحًا.

دخلت السجون أكثر من مرة، وعرفت كيف تستطيع سلطة أن تصادر حرية إنسان، وأن تغلق عليه بابًا، وأن تحرمه من شارع اعتاد خطواته، ومن بيت يعرف دفء تفاصيله. لكن نظامًا واحدًا، ممن اعتقلوني أو طاردوني أو دفعوني إلى المنفى، لم ينجح في أن ينفيني عمّن أحببت.

كانت الرسائل تعبر، والزيارات تصل، والأصوات تتسلل من بين القضبان، والأسئلة الصادقة تفتح نافذة لا يملك السجان مفتاحها.

فالحديد أهون من القطيعة، والأسوار أرحم من الصمت الذي لا نعرف له سببًا.

السجن يعلن نفسه سجنًا، ويضع قفله أمامك بلا مواربة، أما غربة الأحباء والأصدقاء فتدخل القلب بلا ضجيج. لا باب يُغلق، ولا خصومة تُعلن، ولا كلمة وداع تُقال.

يظل كل شيء قائمًا في الظاهر: الأسماء محفوظة، وأرقام الهواتف موجودة، والصور القديمة لم تختفِ، لكن شيئًا أساسيًا ينسحب في هدوء… هو الإنسان نفسه.

لهذا لم تكن الغربة التي تعلمت احتمالها هي غربة المكان. تعودت أن يباعد البحر بيني وبين القاهرة، وأن أستيقظ في مدينة لا تطل نوافذها على ما ألفت، وأن يصبح الوطن صوتًا وصورة وذاكرة. استطعت أن أصادق المسافات، وأن أبني للحياة معنى حيث وجدت نفسي. لكنني لم أتعلم كيف أتصالح مع غربة الذين لم يسافروا، ومع الذين بقوا في مواقعهم، ثم ابتعدوا عن الروح أكثر مما تبتعد القارات.

الغائب الذي يغيب لأنه لا يستطيع الحضور مفهوم. والبعيد الذي تعجزه المسافة معذور. والخصم الذي لا يسأل لا يفاجئك. أما الوجع الحقيقي، فيأتي غالبًا ممن كنت واثقًا أنهم سيسألون؛ من الذين حفظوا الطريق إلى بيتك، وعرفوا صوتك في ضعفه وقوته، وشاركوك أيامًا لم تكن عابرة، ثم صاروا يحتاجون إلى مناسبة عيد كي يتذكروك، وإلى إشعار من الهاتف كي يكتبوا اسمك.

أستيقظ كل يوم على عشرات الرسائل أو أكثر؛ أدعية منسوخة بعناية، وورود تلمع بألوان زاهية، وقلوب حمراء وخضراء، وأيدٍ مرفوعة بالدعاء، ووجوه تضحك أو تذرف دمعة جاهزة.

غالبًا ما أقدّر حسن النية فيها، ولا أنكر لطف أصحابها، لكنني أغلق الهاتف شاعرًا بأن الألوان كلها وصلت… لكن لم يصل إنسان واحد.

يا أصدقاء الإيموشن:

المشكلة ليست في الرمز، فالوردة المرسومة بريئة، والقلب الملون لا ذنب له. المشكلة أن يتحول الرمز إلى بديل دائم عن صاحبه، وأن يقوم الشكل مقام الشعور، وأن يطمئن المرسل إلى أنه أدى ما عليه بمجرد أن ضغط زرًا. هناك فرق بين أن تستخدم رمزًا لتكمل به كلمة، وبين أن تستخدمه كي تهرب من الكلمة ومن القلب الذي كان ينبغي أن يقف خلفها.

بعض الرسائل لا تحتاج إلى بلاغة، بل إلى حضور. فحين أرسل إلى صديق عصارة فكرة عشت معها أيامًا، أو صفحة خرجت من مرارة تجربة، أو تأملًا حملته من سجن أو منفى أو معركة سياسية، لا أنتظر منه تصفيقًا، ولا اتفاقًا كاملًا، ولا ثناءً على اللغة. أنتظر أن أشعر أن إنسانًا قرأ إنسانًا. قد يختلف، أو يصمت، أو يكتب سطرًا واحدًا، لكن السطر الذي خرج منه أدفأ من مائة وردة جاءت من مخزن الصور.

يؤلمني أحيانًا أن أضع قلبي في رسالة، فيعود إليّ إصبع مرفوع.

أن أرسل صفحة فيها عمر، فتعود إليّ ابتسامة صفراء باهتة.

أن أفتح نافذة كاملة من الذاكرة، فيطل منها وجه مرسوم لا يعرف شيئًا عن الذين عبروا تلك الذاكرة.

ربما أندهش أكثر ممن لا يردون أصلًا، رغم أنني لا أرى في عدم الرد إهانة مقصودة، لكنه يكشف مقدار ما خسرناه من القدرة على ملامسة بعضنا بعضًا.

التكنولوجيا لم تصنع هذا الفقر الإنساني، لكنها كشفت سهولة الاستسلام له. منحتنا أدوات تختصر المسافات، فاختصرنا نحن المشاعر!

أتاحت لنا أن نصل في ثانية، فاكتفينا بإثبات أننا مررنا.

صرنا نرى بعضنا كل يوم من خلال الصور، ولا نعرف كيف تمضي الأيام داخل أصحابها.

نتابع الأخبار، ولا نسأل عن الحال!

نعرف أين سافر الصديق، وماذا أكل القريب، وما الذي نشره الزميل، لكننا قد لا نعرف أنه يمر بأكثر أوقات عمره قسوة.

تعلمت، عبر أكثر من ستة عقود، أن الإنسان قد يحتمل نقص المال في صمت، وضيق المكان في صبر، وقسوة الخصوم بجلد، لكنه يضعف أمام شعوره بأنه لم يعد يحدث فرقًا في حياة من كان يظن أنهم علامات فارقة في حياته.

ليست المسألة طلب اهتمام استثنائي، ولا رغبة في أن تدور حياة الآخرين حولنا.

لكنها الحاجة الإنسانية البسيطة إلى أن نعرف أن غيابنا يترك فراغًا عند أحد، وأن صمتنا ذات صباح يوقظ في قلب شخص ما رغبة في السؤال عنا.

لا أريد أن أبدو هنا كمن يوزع شهادات الوفاء أو يسجل على الناس غيابهم. فقد غبت أنا أيضًا، وانشغلت، وقصرت، وأرسلت رسائل سريعة حين كان المطلوب أن أتوقف قليلًا.

كلنا متهمون بدرجات مختلفة في هذه الجريمة الناعمة.

جريمة أن نؤجل الإنسان بحجة أن الوقت لا يكفي، وأن نظن أن العلاقات القديمة تمتلك حصانة ضد الذبول.

المحبة ليست رصيدًا ثابتًا في بنك الذاكرة. لا يكفي أن نقول إننا عرفنا بعضنا ثلاثين عامًا، إذا كانت السنوات الأخيرة قد مرت بلا سؤال حقيقي.

فلا يغني تاريخ طويل من الصور عن لقاء واحد في الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى من يراه.

فالعلاقات، مثل الحدائق، لا تموت دفعة واحدة. يبهت لونها أولًا، ثم يضعف عطرها، ثم تبقى الأسماء على اللافتات بينما تكون الحياة قد غادرتها.

عرفت هذا المعنى، على نحو موجع، بعد إحدى محن السجن. خرجت، عام 2009، وجاء لزيارتي أشخاص لم يسألوا عني، ولا عن أسرتي، طوال فترة الاعتقال. استقبلتهم كما تربيت أن أستقبل الناس، بوجه مفتوح وقلب لا يحب الحساب. لم أرغب في تحويل محنة الاعتقال إلى دفتر ديون، ولا في جعل الغياب تهمة لا تُغتفر.

لكنني رأيت في عيون أسرتي شرخًا عميقًا؛ كانوا يتساءلون كيف يتساوى من حضر في المحنة بمن جاء بعد انقضائها، وكيف نمنح الاحتفاء نفسه لمن حمل بعض الوجع معنا، ولمن انتظر حتى صار الطريق آمنًا.

ربما لم يكن اعتراض الأسرة قسوة، بل وفاءً جريحًا. كانوا يعرفون أن السجن لا يعاقب السجين وحده؛ يعاقب البيت، والأبناء، والزوجة، وكل من ينام وهو لا يعرف ماذا جرى خلف باب المعتقل المغلق.

لذلك رأوا في الغياب ما لم أرده أن يكون حاضرًا في لحظة اللقاء. أما أنا، فكنت أقاوم أن تجعلني المحنة نسخة أخرى من الذين آلموني، وأن أتعلم من السجن إغلاق الأبواب بدل فتحها.

بقي ذلك المشهد في داخلي طويلًا، وما زال.

علمني أن التسامح لا يلغي الذاكرة، وأن القلب يستطيع أن يفتح الباب بينما تبقى الندبة في مكانها.

يستطيع الإنسان أن يرحب بمن غاب، لكنه لا يستطيع أن يجعل الغياب بلا معنى. فالأيام التي لم يسأل فيها أحد لا تختفي لمجرد أنه عاد يومًا، والقلق الذي عاشته الأسرة لا يصبح وهمًا لأن الزيارة جاءت متأخرة.

دعوني أصارحكم وأعترف لكم:

أعود إلى مشهد 2009 اليوم، بعد 17 عامًا، وكلما أفكر في العودة إلى مصر.

فماذا لو عدت غدًا؟

كيف يمكن أن أكرر المشهد نفسه؟

وهل يستوي في استقبال القلب من قطع الطريق إلى منفاي، ودخل بيتي، وجلس معي، مع من زار إسطنبول نفسها، ومشى في شوارعها، وأقام على مسافة قريبة مني، ثم غادرها دون أن يتصل؟

لا أطلب من كل من يزور مدينة إسطنبول أن يجعل زيارتي واجبًا، ولا أضع نفسي في مركز حياة أحد.

لكنني أبحث عن معنى العلاقة نفسها. الذي عاش معك سنوات، وتقاسم معك خبز السياسة وملحها، وعرف أنك تقيم على بعد دقائق، ثم لم يخطر له أن يسمع صوتك، هذا صديق أو رفيق أو قريب «مغشوش»، يكشف لك، ربما دون أن يقصد، أن ما حملته أنت في ذاكرتك لم يعد يحمل الوزن نفسه في ذاكرته.

لم أعاتب يومًا الذين لم يأتوا إلى إسطنبول، والأسباب كثيرة. لكنني ما زلت أعجز عن فهم الذين جاءوا إليها، ولم يأتوا إليّ؟!

ليس لأن اللقاء حق مكتسب، بل لأن بعض المسافات الصغيرة تكشف فجوات أوسع في القلب. فقد تفصل بين بيتين بضعة شوارع، ويفصل بين إنسانين عمر كامل من البرود.

وفي المقابل، لا أنسى من جاء.

من اقتطع من سفره وقتًا.

ومن حمل شوقه إلى الباب.

ومن اتصل قبل أن يصل.

ومن قال: أنا في المدينة، ولا يمكن أن أرحل دون أن أراك.

هؤلاء لم يقدموا زيارة عابرة، بل ردوا إليّ معنى كنت أخشى أن أفقده؛ معنى أن الإنسان ما زال قادرًا على أن يعطي من وقته، وأن المحبة ما زالت تعرف كيف تتحول من فكرة مجردة إلى خطوة ملموسة.

الوقت هو أثمن ما يمنحه إنسان لإنسان.

فالمال يمكن تعويضه.

والهدايا تتشابه.

والكلمات الجميلة يمكن نسخها.

أما الساعة التي ينتزعها صديق من عمره كي يجلس معك، فلا يمكن تكرارها أو تجاهلها. فهو لا يمنحك زمنًا فقط، بل يقول لك من غير خطب: وجودك يستحق أن أقتطع له جزءًا من حياتي.

قد يتساءل البعض، وبحق: ما علاقة هذه المشاهد الشخصية بكتاب «الغبي»؟

ولماذا اخترت أن تكون هذه الورقة هي ختام هذا الكتاب؟ وأقول:

الغباء الإنساني لا يتجسد دومًا في الكراهية.

فالغبي الأكبر هو ذلك الذي لا يكره، لكنه يتوهم أن المحبة لا تُستهلك!

هو من يظن أن التاريخ يكفي.

وأن الصداقة القديمة قادرة على العيش بلا ماء، ولا دماء، وأن الأقارب يبقون أقارب مهما امتد الصمت، ليصبح قطيعة غير معلنة!

فمن الغباء الشديد أن ننسى أن أكثر القلوب وفاءً قد تتعب من الوفاء من طرف واحد.

وأن أكثرها تسامحًا يراجع نفسه أحيانًا، لا لأنه توقف عن الحب، بل لأنه تعب من البحث عن مبررات واهية للآخرين؛ ممن تدافع عنهم كل يوم أمام الآخرين وأمام نفسك، ولم يدافعوا عنك يومًا!

أعرف أن النكران ليس دائمًا كراهية أو جحودًا معلنًا.

فقد يكون انشغالًا طال أكثر مما ينبغي، أو مكالمة أُجلت حتى ماتت الرغبة فيها، أو زيارة ظن صاحبها أن فرصة أخرى ستأتي، أو رسالة جاهزة أُرسلت بدل كلمة شخصية.

للأسف، تتراكم هذه التفاصيل الصغيرة حتى تصنع غربة لم يستطع البحر وحده أن يصنعها، ولا المسافات.

فأقسى الغربة أن تكون حاضرًا في قوائم الناس، غائبًا عن قلوبهم.

أن يعرفوا أخبارك من الإعلام، ولا يعرفوا حالك.

أن يضعوا علامة إعجاب على نص كتبت فيه وجعك، ثم لا يسأل أحد عن الوجع نفسه.

أن تصبح حياتك منشورًا يتفاعلون معه، لا إنسانًا يتواصلون معه.

بعضنا يظن أن المتابعة حضور.

يرى الصورة، فيطمئن!

يقرأ المقال، فيحسب أنه سمع صاحبه!

يشاهد المقابلة، فيظن أنه زاره!

لكن الظهور العام لا يعوض الحضور الخاص.

يا صديقي:

قد يراني آلاف على شاشة، لكنني أبقى محتاجًا إلى صوت واحد يحمله هاتفي.

لا يريد مني موقفًا، ولا تصريحًا، ولا تحليلًا، ولا خدمة، ولا قرارًا، ولا سدادًا لاشتراك أو لفاتورة، بل يريد أن يعرف:

كيف كان يومي؟!

عشت طويلًا في المجال العام، وصرت بحكم السياسة والصحافة معروفًا لدوائر واسعة.

لكن المعرفة العامة لا تملأ فراغ العلاقات الإنسانية الخاصة.

قد يعرف الناس رأيي في أزمة، ولا يعرف أقربهم إليّ إن كنت في أزمة من عدمه.

وقد يقرأون لي آلاف الكلمات كل يوم، بينما أعجز عن العثور على من يكتب لي كلمة واحدة خرجت من قلبه وحده.

يا صديقي:

بالطبع لا أكتب هذه الورقة كي أستجدي اتصالًا منك. فالاهتمام الذي يأتي خوفًا من العتاب لا يدفئ قلبًا. ولا أكتبها كي أجعل أحدًا يشعر بذنب، فالذنب وحده لا يصنع محبة.

أكتبها لأنني أخشى أن نكون جميعًا قد قبلنا، من حيث لا نشعر، هذا الاستبدال المؤلم:

قبلنا حضورًا رمزيًا بدل الحضور الإنساني، وتواصلًا بلا صلة، وعلاقات لا يموت أصحابها ولا يعيشون فيها.

فالغبي، في هذه الورقة الأخيرة، ليس إنسانًا ناقص الذكاء، بل إنسانًا لن يفهم قيمة من هم حوله إلا بعد أن يخسر قربهم، أو يرحلون.

الغبي هو:

من يظن أن أمامه وقتًا طويلًا للسؤال، وأن الصديق سيظل في مكانه، وأن القريب سيفهم، وأن المحبة القديمة ستعذر الصمت الطويل. فيؤجل الحضور، متجاهلًا أنه سيأتي يوم يصبح فيه الحضور متأخرًا، ويصبح الصوت الذي كان ينتظره غير قادر على الإجابة؛ لأنه غادر المشهد!

ما أكثر الذين نبحث عن أرقامهم بعد رحيلهم، ونقرأ رسائلهم القديمة، ونكتشف أن المكالمة التي أجلناها كانت أقصر طريق إلى السلام مع أنفسنا.

الموت لا يمنحنا فرصة ثانية، لكن الحياة تمنحنا كل يوم فرصة صغيرة، ونحن الذين نبددها بغباء في الزحام.

لست أطالب أحدًا بأن يطيل المكالمة، أو أن يزور كل شهر، أو أن يكتب رسائل مطولة.

فبعض الناس لا يجيدون التعبير، لكنهم يجيدون الصدق. كلمة قصيرة منهم تكفي، لأننا نشعر بصاحبها واقفًا خلفها. وهناك من يكتب صفحات كاملة، فلا يصل منها شيء، لأن اللغة حضرت وحدها دون المعنى.

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حل. قد لا تملك لصديقك مخرجًا من أزمته، ولا تملك لقريبك دواءً لوجعه، ولا تستطيع أن تعيده إلى وطنه أو ترفع عنه محنة.

لكنك تستطيع ألا تتركه وحيدًا داخلها. تستطيع أن تمنحه يقينًا بسيطًا بأن هناك من يراه، وأن ألمه لم يمر أمام الجميع بلا شاهد.

أعرف أن للحياة أثقالها، وأن كل إنسان يحمل ما يكفيه. أعرف أن البيوت مزدحمة بهمومها، وأن العمل يبتلع الأيام، وأن السياسة فرقت بين من جمعتهم، وأن الخلافات القديمة تركت ندوبًا لا تزال حاضرة. لكنني أعرف أيضًا أن قلبًا يريد الوصول لا تعجزه دقيقة. المسألة ليست في ضيق الوقت، بل في اتساع المكان الذي ما زلنا نحتله داخل حياة بعضنا.

وربما كان أكثر ما يضاعف ألم الغربة هو أن ترى المحبة تتحول إلى واجب موسمي. تهنئة في عيد، ودعاء في صباح الجمعة، ووردة في يوم الميلاد، ثم صمت يمتد حتى المناسبة التالية. كأن الإنسان لا يستحق أن يُسأل عنه إلا حين يضيء اسمه على الشاشة.

المناسبات جميلة، لكنها لا تستطيع وحدها حمل العلاقات. العيد لا يعوض عامًا من الغياب، والتهنئة الجاهزة لا تصنع قربًا، والدعاء المنسوخ لا يساوي لحظة صدق تقول فيها لشخص: تذكرتك اليوم لأنني اشتقت إليك، لا لأن التقويم ذكرني بك.

في أعماقي، لا أزال ذلك الإنسان الذي يفتح بابه لمن غاب، ويستقبل من جاء، ويحاول ألا يقيس المحبة بميزان الحساب. لا أريد أن أفقد هذه القدرة، ولا أن أتحول إلى نسخة من الصمت الذي يؤلمني. ولهذا كان أول ما قلته في هذه الورقة أن أكثر ما أخشاه هو أن أصبح مثلهم؛ أن أتعلم الغياب، وأن أستسهل الرمز، وأن أكتفي بتأدية واجب بارد وأقنع نفسي أنني حضرت.

أريد أن أبقى قادرًا على السؤال، حتى عمن لم يسأل. لا لأنني أنسى، ولا لأنني بلا كرامة، بل لأنني لا أريد للغياب أن يعيد تشكيل قلبي. قد أتوقف عن انتظار بعض الناس، لكنني لا أريد أن أتوقف عن الإيمان بالإنسان. فخسارة علاقة تؤلم، أما خسارة القدرة على المحبة فهزيمة لا أريدها.

التسامح لا يعني مساواة من حضر بمن غاب، ولا يعني أن نمحو الفروق بين الوفاء والنسيان. القلب يعرف من وقف عند بابه في العاصفة، ومن جاء بعدما هدأت. ويعرف من كان صوته جسرًا، ومن كانت رسالته واجبًا. لكنه يستطيع أن يعرف كل ذلك دون كراهية، وأن يحتفظ بالامتنان لمن يستحقه، وبالمسافة التي تحميه ممن لا يعرف قيمة القرب.

ربما كان العدل في العلاقات أن نمنح كل إنسان مكانه الحقيقي، لا المكان الذي كان يشغله قبل عشرين عامًا. فالأسماء القديمة لا تضمن قربًا دائمًا، والقرابة لا تمنح حصانة من الجفاء، والتاريخ المشترك لا يعفي الحاضر من واجبه. من حضر يكبر في القلب، ومن غاب يبتعد، لا عقابًا له، بل لأن القلوب أيضًا لها قوانينها.

لم أكتب هذه الورقة الأخيرة من الكتاب كي أقول إنني وحيد. حولي قلوب حقيقية، وأصدقاء لم تبدلهم الأيام، وأقارب يعرفون كيف يسألون، ورفاق عبروا المسافات، وأناس عرفتهم متأخرًا فكانوا أوفى من كثيرين عرفتهم في البدايات. هؤلاء هم الدليل على أن المشكلة ليست في العصر وحده، ولا في الأدوات، بل في الاختيار الإنساني.

بعض البشر يجعل المنفى أقل غربة، وبعضهم يجعل الوطن نفسه منفى. الأول لا يحتاج إلى كثير من الكلمات؛ حضوره يملأ الفراغ. والثاني قد يرسل كل صباح، لكنه يترك خلف رسائله بردًا لا يزول. القرب ليس كثرة ما يصل، بل مقدار ما يصل إلى القلب.

لهذا لم تعد المسافة عندي بين القاهرة وإسطنبول، ولا بين بيت وبيت، ولا بين بلد وبلد. المسافة الحقيقية بين إنسان يكتب لك لأنه افتقدك، وإنسان يضغط على صورة لأنه رأى اسمك. بين من يحمل صوته إليك، ومن يرسل علامة تنوب عنه. بين من يمنحك لحظة من عمره، ومن يمنحك لونًا على شاشة.

وبعد كل ما كتبته في هذا الكتاب عن العقل، والوهم، والتبرير، والكبرياء، والذاكرة، والسلطة، والجماعات المغلقة، أصل في الورقة الأخيرة إلى أبسط وجوه الغباء وأشدها إيلامًا:

أن يخسر الإنسان من يحبهم، لا لأنه كرههم، بل لأنه ظن أن المحبة تستطيع أن تعيش بلا حضور.

الغباء الذي ينكسر بسببه القلب لا يأتي دائمًا في صورة فعل قاسٍ. أحيانًا يأتي في صورة لا شيء؛ مكالمة لم تحدث، وطرقة باب لم تأتِ، ورسالة شخصية استُبدلت بصورة، وسؤال ظل عالقًا في قلب صاحبه لأن الطرف الآخر ظن أن الصمت لا يؤذي.

الصمت مؤذٍ.

والإهمال يترك ندوبًا.

والغياب المتكرر يعيد ترتيب العلاقات، حتى لو لم يتعمد أحد شيئًا. قد نستيقظ يومًا فنجد أن من كنا نعرف تفاصيل صوته صار مجرد اسم، وأن من كان وطنًا صار عنوانًا قديمًا، وأن الطريق الذي اعتدنا أن نسلكه إلى بعضنا امتلأ بالحشائش لأن أحدًا لم يمر به طويلًا.

أقولها بوضوح ويقين:

لا أريد لهذه الورقة أن تكون مرثية لعلاقات ماتت، ولا بكائية على زمن مضى.

أريدها أن تكون نافذة مفتوحة قبل أن يكتمل الغياب، ويدًا تمتد قبل أن يصبح الوصول مستحيلًا.

فهل ما زال هناك وقت لأن نسأل، وأن نزور، وأن نعتذر، وأن نعيد إلى العلاقات بعض دمها، وأن نثبت أن الإنسان لم ينسحب كله من هذا العالم؟

هذه الورقة الأخيرة ليست بكائية شخصية، بل هي رسالة لكل الإنسانية.

فقد يقرأ قريب هذه الكلمات، فيتذكر قريبًا أهمله. وقد يقرأها صديق، فيبحث عن رقم لم يتصل به منذ زمن. وقد يقرأها رفيق قديم، فيدرك أن التاريخ وحده لا يكفي، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه للماضي هو أن يمنحه حاضرًا.

لا تبحثوا عني وحدي في هذه الورقة.

ابحثوا عن كل إنسان اختصرتموه في رمز.

وكل قلب ظننتم أنه قوي إلى الحد الذي لا يحتاج فيه إلى سؤال.

وكل شخص قلتم إنكم ستتصلون به غدًا، ثم مضت شهور وسنوات ولم تفعلوا، أو ندمتم.

ابحثوا عن الذين يعيشون خلف الصور، وعن الأصوات التي خفتت لأنها تعبت من النداء.

ربما كانت عظمة العلاقات في بساطتها. لا تحتاج دائمًا إلى اعتذارات كبرى، ولا إلى مشاهد درامية، ولا إلى عهود طويلة. قد تبدأ استعادتها بمكالمة قصيرة لا تحمل خبرًا مهمًا، ولا طلبًا، ولا مصلحة.

مجرد صوت يصل إلى صوت، ويقول له: ما زلت أذكرك كما كنت، لا كما يظهر اسمك على الشاشة.

قبل أن تغلق هذا الكتاب… من الغبي؟

في نهاية هذه الرحلة مع الغباء الإنساني، لا أملك حكمًا أخيرًا، ولا أريد أن أرفع إصبعًا في وجه أحد.

الغبي ربما أنت، أو غيرك، أو أنا.

هذه الصفحات أترك لكل من يقرأها أن يرى نفسه أو غيره فيها، كما يشاء.

من وجد أنه حاضر، فليحمد الله على نعمة المكاشفة. ومن وجد أنه غاب، فما زال الطريق مفتوحًا لمزيد من المصارحة.

نصيحة أخيرة، مستوحاة من الصفحة الأخيرة:

ألا تؤجلوا الإنسان.

لا تؤجلوا الصديق حتى تهدأ الأزمات.

ولا القريب حتى تنتهي المشكلات.

ولا الأم حتى يأتي العيد.

ولا الأخ حتى تذكركم مناسبة.

ولا رفيق العمر حتى يصبح اللقاء عزاءً فوق قبر.

فالوقت لا يسرقنا دفعة واحدة؛ يأخذ منا يومًا بعد يوم، بينما نظن أن الغد مخزن واسع ندخر داخله كل ما لم نفعله، دون أن يكون لدينا تأمين ضد الحريق أو التلف.

أما أنا، فلا أحتاج إلى وردة أكثر لمعانًا، ولا إلى قلب أشد احمرارًا، ولا إلى دعاء أطول، ولا نكتة مضحكة. فقط أحتاج إلى ذلك الشيء البسيط الذي لا تصنعه البرامج، ولا تنسخه المنصات، ولا ترسله القوائم إلى الجميع في اللحظة نفسها.

أحتاج إلى أن أعرف أن إنسانًا، في مكان ما، توقف لحظة، وفكر فيّ أنا، لا في المناسبة.

حاجتي باتت متواضعة، بعد حياة صاخبة بالمعارك والمواقف والسجون والمنفى. لكنها الحقيقة. فبعد تجاوز الستين، أحيانًا يظل الإنسان طفلًا كبيرًا أمام سؤال صادق. فمهما كبر اسمه، واتسعت تجربته، وتراكمت على كتفيه السنوات، يبقى محتاجًا إلى صوت لا يخاطب صورته العامة، بل يخاطب ذلك الإنسان الخفي الذي يتعب ويشتاق ويصمت.

لذلك، لا أطلب قلبًا مرسومًا. لا لأنني أحتقره، بل لأنني أعرف أن وراءه قلبًا حقيقيًا أشتاق إلى أن يصل. ولا أطلب خطابًا طويلًا.

لا أحتاج إلى أن تحدثني عن السياسة.

ولا عن الوطن، ولا عن آخر ما كتبت، ولا عن متى سأعود.

أحتاج إلى أربعة حروف لا تعرف البلاغة، لكنها تعرف الطريق. أربعة حروف فقط، قد تبدو أقل من أن تختم كتابًا، لكنها، في ميزان القلب، تكفي أحيانًا لفتح باب أغلقته سنوات، وردم مسافة صنعتها المنافي، وإعادة إنسان إلى إنسان.

هذه الحروف هي:

إزيك؟
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى