ثقافة وفنونملفات وتقارير

مهرجان الحمامات الدولي يحتفل بستة عقود من الإبداع بمشاركة 12 دولة

شهدت الجمهورية التونسية انطلاق فعاليات الدورة الـ 60 من مهرجان الحمامات الدولي، والتي تأتي في توقيت استثنائي يتزامن مع الاحتفال بمرور ستة عقود كاملة على تأسيس هذا الصرح الثقافي العريق، حيث رسخ مهرجان الحمامات الدولي مكانته كأهم المنصات الفنية التي تستقبل المبدعين من شتى بقاع الأرض، معتمداً في نسخته الحالية على تقديم برنامج متنوع ومكثف يضم 32 عرضاً فنياً وموسيقياً ومسرحياً، مما يجعله وجهة مفضلة لكافة عشاق الفنون الراقية.

انطلقت الفعاليات يوم السبت الموافق 11 يوليو، حيث تم اختيار مسرحية “الهاربات” للمخرجة وفاء الطبوبي لتكون حجر الزاوية في العرض الافتتاحي، وهو العمل الذي أنتجه المسرح الوطني التونسي بالتعاون مع شركة الأسطورة للإنتاج وبدعم مباشر من وزارة الشؤون الثقافية، وقد شهد الحفل إقبالاً جماهيرياً كبيراً يعكس القيمة الفنية العالية لهذا العرض الذي سبق له حصد التانيت الذهبي في أيام قرطاج المسرحية، والجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح التونسي.

تستمر الأنشطة الثقافية ضمن مهرجان الحمامات الدولي تحت شعار “ذاكرة تعيش” حتى يوم 13 أغسطس، في مسعى واضح لتأكيد الارتباط بين التراث الفني والابتكار المعاصر، حيث يقدم المشاركون مزيجاً فريداً من الرقص المعاصر والمسرح والموسيقى، وتتضمن المسرحية الافتتاحية “الهاربات” رؤية درامية عميقة لرحلة خمس نساء ورجل في محطة انتظار غامضة، مما يثير تساؤلات وجودية حول مصير الإنسان والحرية والهوية، وهو ما جعل العمل يتوج بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي خلال الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، وذلك في التجمع الذي استضافته أراضي وادي النيل خلال العام الجاري.

تضم قائمة المشاركين في هذه الدورة فنانين مبدعين يمثلون 12 دولة، وهي الجمهورية التونسية، الجمهورية اللبنانية، الجمهورية الجزائرية، المملكة المغربية، جمهورية مالي، الجمهورية التركية، مملكة إسبانيا، جمهورية البرتغال، الجمهورية الإيطالية، جمهورية كوبا، الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية، حيث يتناغم هذا الحضور الدولي المتنوع ليشكل لوحة فنية تعزز من قنوات التبادل الثقافي بين الشعوب، وتدعم تجارب فنية تعكس التنوع الإنساني والحضاري العابر للحدود الجغرافية.

يعتبر مهرجان الحمامات الدولي منذ انطلاق دورته التأسيسية عام 1964 ركيزة أساسية في الخارطة الثقافية التونسية والعربية، إذ نجحت إدارته على مدى ستين عاماً في تحويل الفضاءات التاريخية إلى ساحات حوار فني مستمر، مما يعزز من قدرة الفن على مواجهة التحديات والأزمات الوجودية من خلال خيار الهروب النفسي أو المواجهة الفكرية التي يطرحها صناع المسرح في هذا الحدث السنوي البارز الذي يترقبه الجمهور بمختلف توجهاته.

تحرص اللجنة المنظمة على تقديم تجربة متكاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يسلط برنامج الدورة الـ 60 من مهرجان الحمامات الدولي الضوء على الإنتاجات المسرحية التي تعيد قراءة الواقع وتفكيك تعقيداته، ويأتي هذا الزخم الفني ليعكس إصرار القائمين على هذا الحدث على الحفاظ على توهج التجربة الفنية، التي باتت تمثل علامة فارقة في تاريخ الفنون المسرحية والموسيقية، وتؤكد استمرار المهرجان في تقديم رؤى إبداعية جديدة تلبي طموحات الجمهور الواسع.

يعكس النجاح الذي حققته مسرحية “الهاربات” خلال افتتاح مهرجان الحمامات الدولي القدرة الكبيرة للمسرح على ملامسة قضايا الهوية والحرية، وتجدر الإشارة إلى أن هذا المهرجان لا يكتفي بعرض الأعمال الفنية فحسب، بل يعمل كجسر يربط بين مختلف التجارب الفنية، مما يتيح للفنانين من 12 دولة فرصة ثمينة للالتقاء والعمل المشترك، وهو ما يجعل من هذه الدورة التي تقام في قلب الصيف محطة استثنائية في تاريخ الثقافة والتبادل الفني الدولي، مستندة إلى تاريخ حافل من العطاء استمر لستة عقود متتالية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى