نقل “العقل العسكري” للدولة المصرية إلى قلب الصحراء: الأسباب والدوافع

شهدت الأيام القليلة الماضية افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي المقر الجديد للقيادة الاستراتيجية للدولة، المعروف إعلامياً وعالمياً باسم “الأوكتاغون”، و يمثل هذا الصرح العسكري الضخم، الذي يمتد على مساحة شاسعة تبلغ 22 ألف فدان في العاصمة الإدارية الجديدة، تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية والأمنية للدولة المصرية، وينقل “مركز الأعصاب” وإدارة الأزمات من قلب القاهرة التاريخية والمكتظة بالسكان إلى عمق الصحراء المحصن.
المشروع واجه انتقادات في بعض الأوساط المعارضة فمنهم من يرى أن تخصيص ميزانيات ضخمة لبناء أكبر مقر عسكري في العالم يمثل عبئًا كبيرًا على اقتصاد يواجه أزمات في العملة الأجنبية، ومعدلات تضخم مرتفعة، وديونًا خارجية متصاعدة.
ووصفت صحف غربية مثل وول ستريت جورنال المشروع بأنه يندرج تحت “مشاريع الهيبة البصرية” التي تهدف إلى إبراز القوة والعظمة الهندسية وتجاوز مبنى البنتاجون الأمريكي في المساحة كدعاية سياسية، دون وجود ضرورة عسكرية ملحة تبرر هذا الحجم الاستثنائي.
وهناك من يرى أنه كان من الأجدى توجيه هذه الموارد المالية الضخمة نحو قطاعات خدمية حيوية تعاني من نقص التمويل، مثل الرعاية الصحية، والتعليم الحكومي، وتطوير البنية التحتية المتهالكة في المدن والمحافظات القائمة، فما هى الأسباب والدوافع وراء بناء الأوكتاجون؟
أولاً: محددات وخلفيات التأسيس
لم يكن قرار نقل القيادة العسكرية والحكومية مجرد مشروع إنشائي، بل جاء نتاجاً لاستخلاص دروس قاسية من اضطرابات ما بعد عام 2011:
- حماية مراكز الحكم من الحصار والشلل: عانت مؤسسات الدولة في عامي 2012 و2013 من حصار واستهداف مباشر (مثل حصار وزارة الدفاع والمحكمة الدستورية العليا). نقل هذه المقار إلى عمق الصحراء بمسافة تبعد حوالي 65 كيلومتراً عن وسط القاهرة يخلق منطقة عازلة آمنة، تضمن استمرار عمل الدولة دون تعطيل تحت أي ظرف من ظروف الحراك الشعبي أو الشغب.
- السيطرة الأمنية المسبقة: التداعيات الأمنية لثورة 2011 أدت سابقاً إلى انفلات على الحدود واختراقات في سيناء استمرت الدولة في مواجهتها لأكثر من عقد. الهدف اليوم هو الانتقال من استراتيجية “رد الفعل” إلى التخطيط الاستباقي لمنع أي ثغرات تهدد الأمن القومي.
ثانياً: التصميم المعماري والقدرات العملياتية
يستمد المجمع اسمه “الأوكتاغون” من تصميمه الهندسي الفريد المكون من ثمانية مبانٍ خارجية ثمانية الأضلاع، ترمز إلى أفرع القوات المسلحة المصرية، وتتسم بالآتي:
- الهوية والاستمرارية: يدمج التصميم بين الرموز المصرية القديمة والإسلامية ليعكس القوة والنظام.
- المرونة اللوجستية: يضم المجمع 13 منطقة عملياتية ولوجستية، تشمل منشآت ومخابئ محصنة تحت الأرض تحت تأمين مباشر ومشترك من الحرس الجمهوري.
- الربط والمركزية: تتصل المباني بمركزي قيادة رئيسيين عبر شبكة ممرات متطورة تضمن التدفق الرقمي فائق السرعة للمعلومات والاستخبارات، مما يتيح اتخاذ القرار بأقل قدر من التأخير.
ثالثاً: التحول نحو “الحرب الشبكية” ومواجهة الحروب الهجينة
تتجاوز أهمية “الأوكتاغون” البعد الأمني الداخلي إلى مواجهة بيئة إقليمية بالغة التعقيد تشهد توترات متصاعدة في البحر الأحمر، وغزة، والسودان، والقرن الأفريقي.
العقيدة العسكرية الجديدة: الانتقال الكامل نحو حروب الجيل الخامس والحرب الشبكية (Network-Centric Warfare).
ولم تعد التهديدات تقتصر على الجيوش التقليدية، بل امتدت لتشمل الحروب الهجينة التي تدمج بين الأدوات النظامية وغير النظامية:
- الأمن السيبراني وحرب المعلومات: صُمم المجمع ليكون قلعة حصينة ضد الهجمات الإلكترونية وعمليات التشويش التي باتت تستهدف شل البنى التحتية للدول.
- التحصين ضد الاختراقات الاستخباراتية: يأتي الافتتاح في سياق إقليمي أثبتت فيه الأحداث الأخيرة (مثل الاختراقات السيبرانية والاستخباراتية التي تعرضت لها قوى إقليمية كإيران وأدت لاغتيالات واسعة) أن غياب التحصين الرقمي والاتصالات المحمية يشكل الخطر الأكبر في هذا القرن.
رابعاً: الأبعاد الاقتصادية والجدل الداخلي
بالرغم من الأهمية الاستراتيجية القصوى للمشروع، فإنه لم يخلُ من الانتقادات؛ حيث يرى معارضون أن المشروع المتكلف مليارات الدولارات يمثل وجهاً من وجوه البذخ في ظل بلد يواجه أزمات اقتصادية وأعباء ديون مرتفعة.
وفي المقابل، ترى الدولة ومخططوها أن تكلفة تأمين استمرارية الدولة وحماية أمنها القومي تفوق أي اعتبارات مالية مؤقتة، وأن مشروع العاصمة الإدارية (الذي بلغت كلفة مرحلته الأولى 58 مليار دولار) هو استثمار بعيد المدى في الاستقرار العام والنمو المستقبلي.
يمثل “الأوكتاغون” إعلاناً مصرياً صريحاً عن الانتقال إلى عصر الرقمنة العسكرية والقيادة المركزية المحصنة. فبينما تظل المقار القديمة لوزارة الدفاع داخل العاصمة بمثابة خطوط استمرارية احتياطية وعمق استراتيجي، يغدو المركز الجديد بمثابة الدرع الحصين القادر على إدارة العمليات المعقدة والسيبرانية، وإظهار القوة والرسوخ المؤسسي لمصر كلاعب إقليمي محوري وسط إقليم يموج بالاضطرابات والتحولات المتسارعة.







