آمنة أبو غبن تتحدى الموت وتتحمل مسؤولية أربع شقيقات وسط الحطام

تتجرع آمنة أبو غبن مرارة اليتم والفقد في آن واحد، إذ تجد نفسها في سن السابعة عشرة مسؤولة وحيدة عن أربع شقيقات داخل خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. تفرض الحرب القاسية على آمنة أبو غبن واقعاً يتجاوز قدرة البالغين، حيث تلاشت أحلام الطفولة أمام مشهد إعدام والدها ميدانياً وغياب والدتها المجهول منذ الخامس من ديسمبر 2023. تتحول حياة هذه الفتاة إلى سلسلة من التحديات اليومية الصعبة، بعد أن فقدت دفء العائلة وسكن البيت، لتغدو هي الأم والأب في خضم مأساة إنسانية تعصف بكيانها.
تستعرض هذه الفتاة تفاصيل يومها المأساوي الذي انطلق من حصار مخيم جباليا، حيث تفرقت العائلة بعد قرار الوالد النزوح القسري تحت نيران القوات الإسرائيلية. تتذكر آمنة أبو غبن تلك اللحظات الفاصلة حين انفصلت والدتها عنها لتلحق بوالدها وسط دوي الرصاص، لتنقطع أخبارها تماماً بعد ذلك. تتعدد محاولات البحث اليائسة في المستشفيات والمراكز الإغاثية، لكن دون جدوى، حيث ظلت الأم رقماً غامضاً في سجلات المفقودين، بينما تأكد لاحقاً مقتل الوالد بإعدام ميداني بدم بارد.
رحلة المعاناة بين النزوح والحرمان من الحقوق الأساسية
تتفاقم معاناة آمنة أبو غبن مع استمرار الحرمان من المسكن الآمن والموارد الضرورية، لا سيما بعد نزوحها نحو وسط القطاع ثم عودتها إلى غزة. تواجه الفتيات عقبات إدارية معقدة تحرمهن من الكفالات الإنسانية والحصص الغذائية، بسبب عدم توفر وثائق رسمية تثبت مقتل الوالد أو فقدان الأم. تعجز آمنة أبو غبن عن تأمين احتياجات شقيقاتها اليومية، مما يضعها في مواجهة دائمة مع الجوع والفقر المدقع، في ظل غياب أي سند قانوني أو اجتماعي يعوضهن عن فقدان الوالدين.
تستمر التداعيات النفسية والاجتماعية في النيل من مستقبل الفتيات التعليمي، حيث توقفت آمنة أبو غبن عن مواصلة رحلتها الدراسية، وهي التي كانت تتأهب للثانوية العامة. تعاني شقيقاتها من ظروف تعليمية قاسية، إذ تقطع الصغرى نور، البالغة من العمر 8 أعوام، مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى خيمتها التعليمية. تتولى آمنة أبو غبن مهام تدبير الطعام وإشعال النيران في ظروف بيئية صعبة، متحدية المخاطر التي تهدد أمنهن الشخصي داخل خيام لا تقي من تقلبات الفصول ولا تحفظ أدنى درجات الخصوصية.
تتواصل مأساة هذه الأسرة المكلومة في انتظار بارقة أمل تكشف عن مصير الأم الغائبة، وهو السؤال الذي يطارد آمنة أبو غبن منذ ذلك اليوم المشؤوم في ديسمبر. تشكل هذه الفتاة نموذجاً للصمود الأسطوري في مواجهة جبروت الحرب، حيث تتحمل أعباء تفوق طاقتها دون كلل، محاولة حماية ما تبقى من كيان عائلتها. تظل آمنة أبو غبن معلقة بين ذاكرة الأمس المؤلمة وواقع الغد المجهول، في انتظار عدالة قد تأتي أو ربما تظل غائبة كغياب والدتها تماماً.
تتضح في قصة آمنة أبو غبن أبعاد المعاناة الإنسانية التي تعيشها فئة كبيرة من الأطفال والفتيات في ظروف النزاعات المسلحة، حيث تتبدل الأدوار فجأة وتصبح المسؤولية قدراً محتوماً لا فكاك منه. تستمر آمنة أبو غبن في أداء أدوارها اليومية، من رعاية شقيقاتها وتوفير الأمان لهن، رغم الندوب التي تركتها الحرب في أعماقها. لا تملك آمنة أبو غبن سوى الإصرار على البقاء، وسط عالم لم يمنحها سوى خيمة ومسؤوليات جسام وحقيبة مليئة بالأسئلة التي لا تجد لها جواباً شافياً منذ أشهر طويلة.







