حديث الذكريات.. يوم انتصر سعد زغلول لإرادة الأمة في مواجهة الملك فؤاد

في صباح ٢٣ مارس من عام ١٩٢٥، عُقدت جلسة لمجلس النواب، وبعد مداولات تقرر فتح باب الترشح لمنصب رئيس المجلس، فتقدم سعد باشا زغلول في مواجهة عبد الخالق ثروت، مرشح الملك فؤاد.
وأُجري الاقتراع السري، ليفوز سعد زغلول بأغلبية أعضاء المجلس، البالغ عددهم ٢١٤ عضوًا، في حين حصل مرشح الملك على ٨٥ صوتًا.
كان فوز سعد زغلول مفاجأة أربكت الملك فؤاد، الذي حاول كثيرًا منع عودة ممثلي حزب الوفد إلى السلطة، قبل أن تتضاعف صدمته مع إعلان فوز جميع مرشحي الوفد في انتخابات أعضاء هيئة مكتب المجلس.
ومن وجهة نظر الملك، أصبح الموقف مستحيلًا، فتقدمت وزارة أحمد زيوار باشا باستقالتها، إلا أن الملك رفضها، وقرر حل مجلس النواب، ودعوة المندوبين إلى إجراء انتخابات جديدة لاختيار أعضاء المجلس يوم ٢٣ مايو من عام ١٩٢٥.
سعد زغلول يرفض قرار الحل
لم يقبل سعد زغلول قرار حل المجلس، وبدأ تعبئة سياسية واسعة، وخرجت النخبة والطلبة في مظاهرات بقيادته للتنديد بالقرار، باعتباره معارضًا لإرادة الأمة التي انتخبت أعضاء البرلمان بحرية.
واستجاب رؤساء الأحزاب للتحرك، وقرروا ضرب قرار الحل عرض الحائط، والتوجه إلى مقر البرلمان يوم ٢١ نوفمبر من عام ١٩٢٥، لعقد اجتماعهم رغم قرار الملك.
وازداد الموقف تعقيدًا، فقررت الحكومة اتخاذ جميع التدابير والاستعدادات، ومنعت النواب من دخول مقر المجلس بالقوة العسكرية، ما اضطر سعد زغلول ورفاقه من أعضاء البرلمان إلى الاجتماع في فندق «الكونتيننتال» في اليوم نفسه.
واكتمل النصاب القانوني للاجتماع، وقرر النواب بالإجماع الإطاحة بالحكومة، كما انتخبوا أعضاء مكتب المجلس، قبل إنهاء الاجتماع ورفع قراراته إلى الملك.
نجح سعد زغلول في الوصول إلى هدفه، وتحالفت معه أحزاب الأقلية، ونال تأييدًا شعبيًا جارفا، وكانت المفاجأة انضمام بعض أمراء الأسرة الملكية الحاكمة إليه، ما وضع الملك في موقف شديد الحرج.
ورغم ذلك، ظل الملك فؤاد يقاوم، وحاول المضي في خطته الرامية إلى حل مجلس النواب وإبعاد حزب الوفد عن السلطة.
قانون انتخاب جديد لعزل الوفد
في ٨ ديسمبر من عام ١٩٢٥، أصدرت الوزارة قانون الانتخاب الجديد، الذي انشغلت بوضعه منذ حل المجلس في ٢٣ مارس، وكان القانون يلبي رغبة الملك في عزل حزب الوفد.
وقوبل القانون برفض جميع الأحزاب، التي أصدرت قرارات تؤكد بطلانه، وتعتبره عبثًا واضحًا بالحياة النيابية وتدخلًا مباشرًا ضد إرادة الأمة.
وفي ٨ فبراير من عام ١٩٢٦، اجتمع أعضاء مجلس الشيوخ وقيادات الأحزاب في النادي السعدي، وأعلنوا معارضتهم لتصرفات الحكومة، وطالبوا بعدم تنفيذ قانون الانتخاب الجديد، وعودة البرلمان إلى الانعقاد تحقيقًا لرغبات الأمة.
أخيرًا رضخ الملك
تزايد الحرج الذي وقع فيه الملك فؤاد إلى درجة خطيرة، ولم يعد هناك مجال للمناورة، فقرر الرضوخ أمام إجماع الأحزاب، وانسحب رئيس الوزراء بأوامر ملكية.
وفي ٢٣ فبراير من عام ١٩٢٦، أصدر الملك مرسومًا بإجراء الانتخابات طبقًا لأحكام قانون الانتخاب القديم الصادر سنة ١٩٢٤، استجابة لمطالب شيوخ الأمة وقادة الرأي.
وفي أبريل من عام ١٩٢٦، صدر مرسوم ملكي بدعوة الناخبين إلى انتخاب أعضاء مجلس النواب يوم ٢٢ مايو.
وأسفرت الانتخابات عن فوز جميع نواب الأحزاب المؤتلفة، واجتمع النواب المنتخبون في فندق «الكونتيننتال» يوم ٣ يونيو، وطلبوا من سعد زغلول، زعيم الأغلبية، أن يتنازل عن رئاسة الوزراء مراعاة لحالته الصحية، وأن يسلم زمام الحكم إلى عدلي يكن باشا، فوافق المجتمعون، وفي مقدمتهم سعد زغلول.
وفي ٦ يونيو من عام ١٩٢٦، صدر مرسوم ملكي بدعوة المجلس إلى الانعقاد يوم ١٠ يونيو.
وفي ٧ يونيو، عهد الملك فؤاد إلى عدلي يكن بتأليف الوزارة الجديدة، فشكلها من الأحزاب المؤتلفة، وبعدها بثلاثة أيام افتتح البرلمان دور انعقاده العادي الأول للهيئة النيابية الثالثة، وبدأت الحياة النيابية تستعيد مسيرتها.
كلمة أخيرة
كانت الحياة السياسية والنيابية في تلك الفترة تعيش أوضاعًا سيئة في أعقاب ثورة عام ١٩١٩، إذ كان الدستور معطلًا، والأحزاب السياسية في حالة تناحر وتقاطع، فيما تولت الحكم وزارة رجعية بقيادة أحمد زيوار باشا.
وكانت تلك الوزارة تسعى إلى إرضاء الاحتلال الإنجليزي، وإصدار القوانين التي تعطل الحركة الوطنية، وتقيد الحياة النيابية.
هكذا كانت حالة الوطن خلال تلك الفترة الملتهبة من تاريخه.







