د. أيمن نور يكتب: العدالة والديمقراطية… لا حرية بلا قاضٍ حر . مصر الممكنة 2030 (43) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (14)

تبدو الديمقراطية في نظر كثيرين صندوق اقتراع، أو تعددية حزبية، أو برلمانًا منتخبًا، أو صحافة حرة، أو تداولًا للسلطة. وكل هذه العناصر صحيحة ومهمة. لكنها تبقى ناقصة إذا غاب عنها العنصر الذي يحميها جميعًا: العدالة المستقلة. فالديمقراطية التي لا يحرسها قضاء مستقل تشبه دستورًا بلا ضمانات، أو عقدًا بلا قاضٍ، أو حقًا بلا وسيلة لحمايته
تعلمت هذه الحقيقة مبكرًا، ليس من الكتب وحدها، بل من التجربة. فقد شهدت في حياتي السياسية والبرلمانية والقانونية لحظات كان فيها القضاء هو الحصن الأخير الذي احتمت به الحرية، وشهدت لحظات أخرى كان غياب هذا الحصن أو ضعفه سببًا مباشرًا في اتساع مساحة الظلم أو الشعور به. ومن هنا جاءت قناعتي الراسخة بأن معركة الديمقراطية الحقيقية لا تُحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل تُحسم أيضًا في قاعات المحاكم.
كثير من الأنظمة السياسية في العالم أجرت انتخابات. وبعضها سمح بأحزاب وصحف وبرلمانات. ومع ذلك لم تتحول إلى ديمقراطيات حقيقية. والسبب بسيط: لأن الديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار الحاكم، بل منظومة لحماية المجتمع من تغول السلطة أيًا كان صاحبها. وهذه الحماية تبدأ من وجود قضاء يملك الشجاعة والاستقلال ليقول لا حين تصبح كلمة لا واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا.
لهذا السبب لم يكن غريبًا أن يرتبط تاريخ الديمقراطيات الكبرى بتاريخ القضاء المستقل. فالولايات المتحدة لم تصبح نموذجًا دستوريًا بسبب الانتخابات وحدها، بل بسبب محكمة عليا استطاعت في لحظات فارقة أن تواجه السلطة التنفيذية والتشريعية معًا. وفرنسا لم تستقر ديمقراطيتها الحديثة إلا حين ترسخت دولة القانون. وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تبنِ جمهوريتها الجديدة على الاقتصاد وحده، بل على المحكمة الدستورية التي أصبحت أحد أهم حراس النظام الديمقراطي.
في مصر، كانت العلاقة بين العدالة والديمقراطية دائمًا علاقة وثيقة، وإن لم يُلتفت إليها بما يكفي. فكل مرحلة اتسعت فيها مساحة استقلال القضاء شهدت بدورها مساحة أوسع من الحرية العامة. وكل مرحلة تعرضت فيها العدالة للضغوط أو القيود انعكس ذلك، بصورة أو بأخرى، على المجال العام كله.
ليست مصادفة أن ترتبط بعض أهم المحطات الديمقراطية في التاريخ المصري الحديث بأحكام قضائية كبرى. وليست مصادفة أن يصبح بعض القضاة رموزًا في الوعي العام، رغم أنهم لم يمارسوا السياسة، ولم يترشحوا لمنصب، ولم يخطبوا في الجماهير. فالناس بطبيعتها تدرك أن القاضي المستقل يؤدي وظيفة سياسية نبيلة دون أن يتحول إلى سياسي، لأنه يحمي قواعد اللعبة لا أطرافها.
الديمقراطية ليست حكم الأغلبية فقط، كما يظن البعض. فالأغلبية قد تخطئ، وقد تظلم، وقد تنجرف أحيانًا وراء الانفعال أو الخوف أو المصلحة الآنية. ولهذا جاءت الدولة الدستورية الحديثة لتضع حدودًا لا تستطيع الأغلبية نفسها تجاوزها. وهذه الحدود لا يحرسها الجيش، ولا الشرطة، ولا البرلمان، بل يحرسها القضاء.
من هنا فإن استقلال القضاء ليس قضية فئوية تخص القضاة، بل قضية ديمقراطية من الدرجة الأولى. فالمواطن الذي لا يهتم بالقضاء لأنه ليس قاضيًا يكتشف متأخرًا أن حقوقه كلها كانت تعتمد على استقلال هذا القاضي الذي ظن أن أمره لا يعنيه.
حين يدخل مواطن في نزاع مع جهة حكومية، أو مع جهاز إداري، أو مع سلطة تنفيذية، فإن الديمقراطية تصبح بالنسبة إليه سؤالًا عمليًا لا نظريًا: هل توجد جهة محايدة تستطيع أن تنصفه؟ وهل يستطيع أن يخاصم الدولة أمام قاضيها؟ وهل يملك هذا القاضي الحرية الكاملة للحكم وفق القانون وحده؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد مستوى الديمقراطية الحقيقي أكثر مما تحدده عشرات الخطب والبرامج السياسية.
خلال سنوات العمل العام، تابعت عن قرب كيف يمكن لحكم قضائي واحد أن يعيد التوازن إلى علاقة مختلة بين المواطن والدولة. كما رأيت كيف يمكن لضعف الثقة في العدالة أن يوسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته. ولهذا كنت دائمًا أعتبر أن معركة استقلال القضاء ليست معركة القضاة وحدهم، بل معركة كل من يؤمن بالديمقراطية، حتى لو لم يدخل محكمة في حياته.
أحد أخطر الأخطاء التي تقع فيها بعض الأنظمة السياسية أنها تتعامل مع القضاء المستقل باعتباره عقبة أمام الإنجاز أو التنمية أو الاستقرار. بينما الحقيقة أن القضاء المستقل هو أحد أهم شروط الاستقرار الحقيقي. فالاستقرار الذي يقوم على الخوف مؤقت، أما الاستقرار الذي يقوم على الثقة في القانون فباقٍ وقادر على الصمود.
الديمقراطية تحتاج إلى قاضٍ مستقل لأنها بطبيعتها تنتج خلافات وصراعات وتنافسًا. والبديل عن إدارة هذه الخلافات بالقانون هو إدارتها بالقوة أو النفوذ أو الشارع. وكلما ضعف القضاء المستقل ازدادت احتمالات انتقال الصراع من المؤسسات إلى المجتمع نفسه.
لهذا فإن الدول الناجحة لم تنظر إلى القضاء باعتباره مجرد مرفق للفصل في المنازعات، بل باعتباره أحد أعمدة النظام السياسي نفسه. فالقاضي لا يحمي الملكية فقط، ولا العقود فقط، ولا الحريات الفردية فقط، بل يحمي فكرة الدولة القانونية التي تجعل التنافس السياسي ممكنًا دون أن يتحول إلى صراع وجودي.
في التجربة المصرية، يبقى مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا مثالين مهمين على هذا الدور. فالأحكام التي صدرت في قضايا تتعلق بالحقوق والحريات، أو بشرعية القرارات الإدارية، أو بدستورية القوانين، لم تكن مجرد أحكام قانونية، بل كانت في كثير من الأحيان مساهمة مباشرة في حماية المجال العام من الانغلاق الكامل.
لكن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى أحكام عظيمة تصدر في القضايا الكبرى، بل تحتاج أيضًا إلى عدالة يومية يشعر بها المواطن العادي. فحرية الصحفي، وحق الناخب، وحق المرشح، وحق المتظاهر السلمي، وحق المعارض في التعبير، وحق المواطن في الطعن على القرار الإداري، كلها تبدأ من الإيمان بأن هناك قاضيًا مستقلًا يمكن اللجوء إليه.
لهذا فإن خريطة الطريق نحو مصر الممكنة لا يمكن أن تفصل بين إصلاح العدالة وإصلاح الحياة السياسية. فالديمقراطية التي لا تجد قضاءً مستقلًا تتحول تدريجيًا إلى شكل بلا مضمون، والقضاء الذي يعيش بعيدًا عن روح الحرية يفقد جزءًا من رسالته التاريخية.
مصر التي نحلم بها في عام 2030 تحتاج إلى قضاء مستقل، لا لأنه مطلب حقوقي فقط، بل لأنه شرط لبناء دولة حديثة مستقرة وقادرة على إدارة التنوع والاختلاف. تحتاج إلى قاضٍ يشعر أن ولاءه الأول للدستور والقانون، وإلى مواطن يشعر أن حريته ليست رهينة مزاج السلطة أو تبدل الظروف السياسية.
هناك فقط تصبح الديمقراطية أكثر من انتخابات، وتصبح العدالة أكثر من أحكام، ويصبح الدستور أكثر من نص جميل. هناك تلتقي الحرية بالقانون، وتلتقي الدولة بالمواطن، ويصبح القضاء الجسر الذي تعبر عليه مصر إلى مستقبل أكثر توازنًا وعدلًا.
ولهذا أؤمن أن الطريق إلى الديمقراطية يمر عبر البرلمان، والصحافة، والأحزاب، وصناديق الاقتراع، لكنه لا يكتمل إلا عند منصة قاضٍ مستقل لا يخاف إلا ضميره، ولا ينحاز إلا للقانون.
الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (44)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (15)
العدالة والحرية… الدولة التي لا تخاف من مواطنيها
:::







