تونس تواجه ارتدادات حقوقية تهدد المكتسبات التاريخية للمرأة في الجمهورية

تواجه تونس تحديات حقوقية وسياسية متشابكة تضع المكتسبات التي حققتها المرأة التونسية على مدار عقود في مهب الريح، خاصة مع تصاعد أصوات تنادي بالعودة إلى أنماط اجتماعية وقانونية تجاوزها الزمن. ويمثل الحفاظ على مدنية القوانين، وعلى رأسها مجلة الأحوال الشخصية، جوهر معركة المرأة التونسية الحالية ضد القوى التي تسعى لتقويض أركان المساواة. وتتزامن هذه التطورات مع مؤشرات مقلقة تشير إلى تراجع دور المرأة في مراكز صنع القرار وتأثيرها في الفضاء العام، مما يجعل استعادة الندية والمشاركة الفاعلة ضرورة ملحة لحماية تونس من التراجع عن مسار التحديث الذي اختطته لنفسها منذ عام 1956.
تآكل التمثيل السياسي وانحسار المكاسب التشريعية
شهدت المشاركة السياسية للمرأة التونسية تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، حيث أدى تغيير النظام الانتخابي وإلغاء مبدأ التناصف إلى انخفاض حاد في تمثيل النساء داخل البرلمان. وتشير البيانات الموثقة إلى أن نسبة تمثيل النساء في البرلمان قد انحدرت من 31% خلال الدورة الانتخابية للفترة ما بين 2019 و2021 إلى أقل من 14% في المجلس التشريعي الحالي. ويعتبر هذا الانحدار نتيجة مباشرة لاعتماد نظام الاقتراع على الأفراد بدلاً من نظام القوائم، مما أعاد إنتاج منطق الوجاهة الذكورية وتهميش الكفاءات النسائية في الدوائر الانتخابية.
وتجاوز هذا التراجع المؤسسة التشريعية المركزية ليصل إلى الحكم المحلي، فبعد أن كانت تجربة المجالس البلدية لعام 2018 نموذجاً رائداً بوصول النساء إلى رئاسة 47% من البلديات، جاء حل هذه المجالس بموجب المرسوم الرئاسي عدد 9 لعام 2023 ليقضي على هذه المكتسبات. إن تغييب المرأة عن هذه المواقع لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أدى إلى فراغ في صوت المرأة المشرع والمقرر، مما يفسح المجال أمام صياغة قوانين تخص الأسرة والمجتمع في غياب تام للمرأة عن طاولات النقاش والقرار.
معركة الهوية والتشريعات الحقوقية الصامدة
تعتمد تونس في صمودها على ترسانة قانونية متينة، يتقدمها القانون الأساسي عدد 58 لعام 2017، الذي يعد وثيقة حقوقية رائدة دولياً لا تقتصر على تجريم العنف بكافة أشكاله، بل تشمل أيضاً تجريم العنف السياسي. ويمثل هذا القانون خط الدفاع الأخير للمرأة التونسية، خاصة في ظل تنامي الخطاب الشعبوي الذي يحاول تبرير التمييز وتهميش الفاعلات السياسيات. وتأتي قضية اعتقال قيادات سياسية فاعلة، مثل عبير موسي، لتؤكد استمرار المحاولات الرامية لترهيب النساء وإفراغ الفضاء العام من الندّية.
ورغم الضغوط والمحاولات الرامية لنسف المكتسبات، تظل التجرية التونسية في الدفاع عن حقوق العاملات في القطاع الفلاحي والعاملات المنزليات شاهداً على قوة التنظيم القاعدي. فقد نجحت هؤلاء النساء في فرض حقوقهن عبر انتزاع تشريعات نوعية، مثل القانون عدد 37 لعام 2021 والقانون عدد 24 لعام 1973 المتعلق بالإنجاب الآمن وتنظيم الأسرة، مما يعزز حقيقة أن الكرامة في تونس تُنتزع ولا تُوهب. إن المعركة اليوم هي معركة هوية وطنية بامتياز، تفرض على كل القوى المؤمنة بمدنية الجمهورية التكاتف لمنع قوى الردة من إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. وتظل هذه المكتسبات، التي صاغتها أجيال من التونسيات بدمائهن وعرق نضالهن، هي الضمانة الوحيدة لاستقرار تونس وحماية تماسك المجتمع الحديث. إن تونس في حاجة اليوم إلى استعادة “شراسة” النضال النسوي الأول، فالنسويات اللواتي نظمن أنفسهن في الأرياف لانتزاع حقوق الفلاحات، هن ذاتهن اللواتي يقع عليهن عبء قيادة المرحلة الحالية لإسقاط وهم العودة إلى الخلف. فإما أن تستمر تونس في بناء دولة يحكمها القانون والمساواة، وإما أن تسمح لأصوات التطرف بأن تأخذ البلاد نحو المجهول.







