مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: “زلزال “أمريكا أولاً” وعالم الصفقات: كيف تُعيد حقبة ترامب الثانية هندسة الشرق الأوسط؟ 


في عالم السياسة الدولية، ثمة لحظات فارقة لا تكتفي بتغيير الوجوه، بل تعيد كتابة القواعد بالكامل. ومع ملامح الحقبة الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، يتضح أننا لا نواجه مجرد إدارة أمريكية جديدة، بل نشهد تحولاً بنيوياً عميقاً؛ حيث تحولت عقيدة “أمريكا أولاً” من شعار انتخابي صاخب إلى نهج مؤسسي يفكك ركائز النظام العالمي المستقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع دخولنا العقد القادم (2026–2036)، تتضح معالم مشهد جديد يتأسس على النفعية البراغماتية، وإدارة الأزمات بمنطق “الصفقات التجارية الثنائية”، وخلخلة التحالفات التقليدية.
 
لفهم السياسة الخارجية لهذه الحقبة، يجب أولاً تفكيك التحولات الجارية داخل بنية الدولة الأمريكية ذاتها. فنحن أمام محاولة غير مسبوقة لإعادة صياغة “الدولة العميقة” عبر إضعاف البيروقراطية الفيدرالية المستقلة وتحويلها إلى جهاز يخضع للتعيين السياسي المباشر القائم على الولاء. هذا المسار، المتزامن مع استقطاب حزبي وقضائي حاد يوسع الفجوة بين الولايات “الزرقاء” و”الحمراء”، يجعل أمريكا تبدو منقسمة على ذاتها بحدة حول هويتها وقوانينها، ومثقلة بملفات اجتماعية متفجرة كالهجرة والترحيل الجماعي.
 
على الصعيد الاقتصادي، يتكامل هذا الصراع الداخلي مع “حمائية تجارية متطرفة” تتمثل في حرب جمركية شاملة لا تستثني الخصوم ولا الحلفاء. ورغم أن هذه الجمارك تهدف إلى حماية الأسواق المحلية، إلا أنها تحمل مخاطر تضخمية ممتدة تزيد من تعقيد أزمة الدين العام الأمريكي القياسي، مما يهدد على المدى الطويل استقرار الدولار كعملة احتياطية عالمية وحيدة. لكن واشنطن، في المقابل، تراهن بكل قوتها على جبهتين واعدتين: التفوق المطلق في إنتاج الطاقة التقليدية، والريادة الشرسة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية لضمان الهيمنة في مواجهة الصعود التكنولوجي للصين.
 
هذه البيئة الداخلية المتأزمة والمندفعة نحو “الصفقات اللحظية” تترجم نفسها دولياً في صورة تراجع مظلة الأمان الأمريكية. فالحلفاء التقليديون من برلين إلى طوكيو يواجهون اليوم لغة أمريكية تتعامل مع الأمن القومي بمنطق “الشركات الأمنية المدفوعة الأجر”، مما يدفع القوى الإقليمية والدولية للتخلي عن فكرة “الأمن الجماعي” والبحث عن خيارات دفاعية ذاتية.
 
” الرسالة الأبرز لحقبة ترامب الثانية ودول الشرق الأوسط”

في قلب هذه السيولة الدولية، تقف منطقة الشرق الأوسط في عين العاصفة؛ إذ يمثل النهج البراغماتي الحالي محركاً رئيسياً لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية عبر ثلاثة ملفات متشابكة:
Ÿ    المعادلة الإيرانية الصعبة: يتأرجح المشهد هنا بين حدين؛ فإما الذهاب بسياسة “الضغط الأقصى” والمواجهات العسكرية بالوكالة إلى حافتها القصوى لإنهاك طهران، وإما استغلال هذا الإنهاك لإجبار القيادة الإيرانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإبرام “صفقة كبرى” جديدة بشروط أمريكية صارمة ومجحفة بنظر الإيرانيين، تقيد طموحهم النووي والصاروخي وتحد من نفوذهم الإقليمي مقابل رفع العقوبات وضمان بقاء النظام.


Ÿ    إعادة تشكيل الخارطة الدبلوماسية: يستمر الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، مع مساعٍ حثيثة لتوسيع مظلة “الاتفاقيات الإبراهيمية” لتضم قوى إقليمية وازنة كالمملكة العربية السعودية. لكن التحدي الوجودي في هذا المسار يكمن في أن إهمال الحقوق الفلسطينية وحل الدولتين سيبقي المنطقة فوق فوهة بركان قابلة للانفجار في أي لحظة، مما يجعل أي استقرار وافد من الخارج مجرد هدنة مؤقتة.
Ÿ    براغماتية نفعية مع الخليج: لم تعد واشنطن ترى علاقتها مع دول الخليج العربي إلا من نافذة الاستثمار التجاري المباشر، ومطالبتها بضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الأمريكية وشراء صفقات السلاح الكبرى مقابل توفير حماية أمنية تكتيكية ومؤقتة. هذا التعامل التجاري يدفع العواصم الخليجية، بذكاء شديد، إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وبناء جسور متينة مع بكين وموسكو لحماية مصالحها الحيوية.


 في خضم هذا التحول، تتبنى واشنطن سياسة “النأي بالنفس” عن التدخل العسكري المباشر في الصراعات الأهلية المزمنة في سوريا واليمن وليبيا، مكتفية بضربات جراحية ضد الإرهاب ومخلفاته. هذا الانسحاب التدريجي يترك فراغاً تتنافس على ملئه قوى إقليمية ودولية مثل تركيا وإيران وروسيا عبر صياغة تفاهمات هشة لإدارة الأزمات وحفظ مصالحها الخاصة.
إن الرسالة الأبرز التي تحملها حقبة ترامب الثانية لدول الشرق الأوسط واضحة ولا لبس فيها: عصر الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الأمريكية قد انتهى.


 لن يُشترى الاستقرار في العقد القادم بالمعاهدات والوعود الفيدرالية المتقلبة بمزاج الناخبين في واشنطن، بل سيتأسس على ركيزتين لا غنى عنهما: تطوير القدرات الدفاعية والتقنية الذاتية، والجرأة في تدوير الزوايا وتصفير الأزمات البينية عبر حوارات دبلوماسية إقليمية مباشرة. إن القوى الذكية في المنطقة هي التي ستتوقف عن دور “المترقب” لنتائج صفقات البيت الأبيض، لتتحول إلى “مهندس” يصيغ أمنه الخاص بشبكة من المصالح الاقتصادية العابرة للمحاور والشراكات الدولية المتوازنة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى