حزب غد الثورة يصدر بيانًا بشأن قانون «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة

مصر ليست شركة والدولة ليست تاجرًا
يتابع حزب غد الثورة الليبرالي المصري بقلق بالغ إقرار مجلس النواب قانون «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، في واحدة من أخطر التحولات الاقتصادية والإدارية التي تشهدها الدولة المصرية منذ عقود.
إن اعتراضنا على هذا القانون لا يستهدف التنمية، ولا يعارض إقامة المشروعات القومية، ولا يقلل من أهمية تعظيم الاستفادة من أصول الدولة. فنحن، كحزب ليبرالي، نؤمن بأن التنمية ضرورة وطنية، وأن الإسراع في الإنجاز هدف مشروع. لكننا نؤمن، بالقدر نفسه، أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على حساب الدستور، ولا على حساب قواعد المنافسة، ولا على حساب حق المجتمع في الرقابة والمساءلة.
لقد كان من الممكن أن يصبح «جهاز مستقبل مصر» أحد الأذرع التنفيذية المهمة للدولة، لولا أن القانون الجديد نقله إلى مساحة أخرى؛ مساحة تجمع في يد واحدة سلطات التخطيط، وامتلاك الأصول، وتخصيص الأراضي، والاستثمار، وإنشاء الصناديق، والحصول على الامتيازات والإعفاءات، بما يجعل الدولة طرفًا في المنافسة، وحكمًا عليها، وصاحبة الملعب في الوقت نفسه.
إن أخطر ما في هذا القانون أنه لا يوسع مؤسسة، بل يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للدولة.
إن الاقتصاد الحر لا يقوم على إضعاف الدولة، لكنه أيضًا لا يقوم على احتكارها للسوق. فالدولة الحديثة تحمي المنافسة، ولا تحل محل المتنافسين، وتنظم السوق، ولا تستحوذ عليه، وتضمن تكافؤ الفرص، ولا تمنح امتيازات استثنائية لكيانات بعينها.
ومن هنا، فإننا نتساءل:
كيف يمكن مطالبة المستثمر المصري أو الأجنبي بالمنافسة، بينما يواجه كيانًا يمتلك الأرض، والتمويل، والإعفاءات، والقرار، والقدرة على إنشاء المناطق الاقتصادية وإدارة الأصول العامة؟
وأي رسالة تبعثها الدولة إلى القطاع الخاص، وهي تطلب منه الاستثمار، ثم توسع في الوقت ذاته كيانًا اقتصاديًا يتمتع بما لا يتمتع به أحد؟
لقد جاء هذا القانون في اللحظة نفسها التي تتفاوض فيها الحكومة مع صندوق النقد الدولي، وتتعهد بتقليص هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر عدالة للمنافسة.
إننا لا ننتقد هنا صندوق النقد، ولا ندافع عنه، لكننا نسأل:
كيف نطالب العالم بأن يثق في برنامج إصلاح اقتصادي يقوم على المنافسة، بينما نقدم في الداخل تشريعًا يوسع الاقتصاد الاستثنائي، ويقلص المساحة الطبيعية للسوق؟
وفي الوقت ذاته، تكشف المؤشرات الاقتصادية أن التحديات التي تواجه مصر تزداد تعقيدًا.
فقد تجاوز سعر الدولار خمسين جنيهًا، بينما تقترب أسعار الفائدة من عشرين في المائة، وارتفع عجز الحساب الجاري إلى أكثر من ضعف مستواه قبل عام، في وقت تتجه فيه أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع نتيجة الحرب الدائرة في الخليج واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
إن هذه الأرقام لا تعني انهيارًا اقتصاديًا، لكنها تعني بوضوح أن الاقتصاد المصري لم يعد يحتمل مزيدًا من التشوهات الهيكلية.
فالاحتياطي النقدي يمنح الدولة قدرة على الصمود، لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
والقروض تمنح الاقتصاد وقتًا، لكنها لا تمنحه القدرة على النمو المستدام.
أما بيع الأصول، فليس سياسة اقتصادية، وإنما وسيلة مؤقتة لا يجوز أن تتحول إلى بديل عن الإنتاج.
إن حزب غد الثورة يرى أن الطريق الحقيقي يبدأ من اقتصاد يقوم على المنافسة، لا على الامتيازات، وعلى المؤسسات، لا على الاستثناءات، وعلى سيادة القانون، لا على تعدد القواعد.
كما يؤكد الحزب أن الأمن القومي لا يتحقق فقط بحماية الحدود، وإنما أيضًا بحماية الاقتصاد من الاحتكار، وحماية المال العام من الغموض، وحماية المستثمر من غياب تكافؤ الفرص، وحماية المواطن من أن يتحمل وحده كلفة كل أزمة اقتصادية أو إقليمية.
إن مصر لا تحتاج إلى دولة تملك كل شيء…
بل تحتاج إلى دولة تضمن عدالة كل شيء.
ولا تحتاج إلى اقتصاد تتحكم فيه جهة واحدة…
بل إلى اقتصاد يفتح أبوابه لكل قادر على العمل والإنتاج والإبداع.
إننا نجدد دعوتنا إلى مراجعة هذا القانون، وفتح حوار اقتصادي وتشريعي ومجتمعي واسع حول مستقبل الدور الاقتصادي للدولة، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن القومي، ومتطلبات الاقتصاد الحر، ويعيد الاعتبار للمنافسة العادلة، والشفافية، والرقابة البرلمانية، واحترام الدستور.
حفظ الله مصر…
د. أيمن نور
رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري
16 يوليو 2026
:::







