شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة في مصر 2030 كما يجب أن تكون . مصر الممكنة 2030 (45) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (16)

بعد رحلة طويلة بين ملفات النيابة العامة، وأزمات الحبس الاحتياطي، وقوانين الكيانات الإرهابية، وأوجاع القضاة، وبطء التقاضي، والعدالة الاقتصادية، والعدالة الرقمية، والعدالة والدستور، والعدالة والحرية، قد يبدو للقارئ أن هذا الباب كان محاولة لرصد أزمات مرفق العدالة في مصر. لكن الحقيقة أن الغاية لم تكن توصيف المرض بقدر ما كانت البحث عن طريق التعافي.

فالأمم لا تنهض لأنها تتقن الشكوى، ولا تتقدم لأنها تبرع في تعداد أخطائها، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة الكافية لتحويل النقد إلى مشروع، والأزمة إلى فرصة، والمعاناة إلى رؤية. ولهذا لم يكن السؤال الذي رافقني أثناء كتابة هذه السلسلة: ما الذي أصاب العدالة المصرية؟ بل كان سؤالًا مختلفًا: كيف يمكن أن تصبح العدالة أحد أهم محركات النهضة المصرية خلال السنوات المقبلة؟

مصر ليست دولة فقيرة في القانون، ولا فقيرة في الخبرات القضائية، ولا فقيرة في الكفاءات القانونية. على العكس تمامًا. فالقضاء المصري يمتلك تراكمًا مهنيًا وفكريًا نادرًا في المنطقة، والمحاماة المصرية لعبت أدوارًا وطنية وتاريخية كبيرة، وكليات الحقوق المصرية خرّجت أجيالًا ساهمت في بناء الأنظمة القانونية العربية. ولذلك فإن أزمة العدالة ليست أزمة فراغ، بل أزمة تعثر في استثمار هذا الرصيد الكبير.

خلال سنوات طويلة من العمل العام، كنت ألاحظ أن كثيرًا من النقاشات المتعلقة بالعدالة تنطلق من زاوية ضيقة. فريق يتحدث عن القضاء، وآخر يتحدث عن المحامين، وثالث يتحدث عن السجون، ورابع يتحدث عن التشريعات. بينما الحقيقة أن العدالة منظومة واحدة، وأي خلل في أحد مكوناتها ينعكس على بقية المكونات كلها.

لهذا فإن العدالة الممكنة التي أتحدث عنها لا تعني إصلاح محكمة أو قانون أو مؤسسة بعينها، بل تعني إعادة بناء التوازن داخل المنظومة كلها. إعادة بناء العلاقة بين القاضي والمتقاضي، وبين النيابة العامة والحرية، وبين التشريع والدستور، وبين الدولة والمواطن.

الدولة الحديثة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة. ولا تقاس بعدد المحاكم التي تبنيها، بل بقدرتها على جعل الناس يثقون في أحكامها. ولا تقاس بحجم السلطة التي تملكها، بل بمدى خضوع هذه السلطة نفسها للقانون.

لهذا أرى أن العدالة الممكنة في مصر 2030 يجب أن تقوم على سبعة أعمدة رئيسية.

العمود الأول هو استقلال القضاء. ليس بوصفه امتيازًا للقضاة، بل باعتباره حقًا للمجتمع كله. فالقاضي المستقل هو الضمانة الأخيرة للمواطن عندما يختلف مع السلطة أو يواجه نفوذًا أكبر من قدرته. وكل مشروع وطني لا يضع استقلال القضاء في قلب أولوياته يبني فوق أرض غير مستقرة.

العمود الثاني هو إعادة تعريف دور النيابة العامة. فالمجتمع يحتاج إلى نيابة تحمي الشرعية قبل أن تطلب العقوبة، وتبحث عن الحقيقة قبل أن تبحث عن الإدانة، وتدافع عن القانون حتى حين يكون القانون في مواجهة الدولة نفسها.

العمود الثالث هو استعادة القيمة الأصلية للحرية. فالحرية ليست منحة تمنحها السلطة عندما تشاء، وليست استثناءً يسمح به الظرف السياسي، بل هي الأصل الذي تدور حوله بقية الحقوق. وكل إصلاح للعدالة لا يعيد الاعتبار لهذا الأصل سيظل ناقصًا مهما كانت نواياه حسنة.

العمود الرابع هو تحديث التشريعات. فالقانون الذي كان مناسبًا لمجتمع قبل نصف قرن ليس بالضرورة مناسبًا لمجتمع اليوم. والتحديات التي فرضها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والجرائم العابرة للحدود والحقوق الرقمية تتطلب عقلًا تشريعيًا جديدًا يوازن بين الحداثة والضمانات الدستورية.

العمود الخامس هو العدالة السريعة. فلا قيمة لحق يصل بعد أن يفقد صاحبه عمره أو صحته أو مشروعه أو أسرته. والزمن القضائي يجب أن يصبح جزءًا من معايير تقييم الأداء داخل المنظومة العدلية كلها.

العمود السادس هو العدالة الرقمية. لكن ليس بمعناها التقني الضيق، بل بمعناها المؤسسي الواسع. أي استخدام التكنولوجيا لتقريب العدالة من الناس، وتبسيط الإجراءات، وزيادة الشفافية، وتقليل الهدر، لا مجرد استبدال الورق بالشاشات.

العمود السابع هو الثقة العامة. فالثقة هي العملة الحقيقية لأي نظام عدالة. ويمكن بناء محاكم جديدة، وتعديل القوانين، وشراء أحدث الأجهزة، لكن كل ذلك لن يحقق هدفه إذا بقيت الثقة مفقودة بين المواطن والمؤسسات العدلية.

أحيانًا أسأل نفسي: كيف ستكون مصر إذا نجحنا فعلًا في تحقيق هذه الرؤية؟

أتخيل مواطنًا يدخل المحكمة وهو مطمئن إلى أن حقه سيُسمع، وأن خصمه لن ينتصر عليه بالنفوذ.

وأتخيل قاضيًا يعمل في بيئة مستقرة تحمي استقلاله وتقدر رسالته.

وأتخيل نيابة عامة تستعيد دورها كحارس للشرعية.

وأتخيل محاميًا يمارس دوره بحرية واحترام.

وأتخيل مستثمرًا يرى في المحكمة ضمانة لا مخاطرة.

وأتخيل شابًا يدرس القانون وهو مؤمن أن العدالة ليست مجرد مهنة، بل رسالة يمكن أن تغير حياة الناس.

هذه ليست أحلامًا رومانسية كما قد يتصور البعض. فكل عنصر من هذه العناصر تحقق بالفعل في دول كانت تعاني أزمات أشد مما نعانيه اليوم. والفرق بين الدول التي نجحت والدول التي تعثرت لم يكن في حجم المشكلات، بل في وجود إرادة للإصلاح وقدرة على الاستمرار فيه.

تعلمت من السياسة أن السلطة مؤقتة، ومن المحاماة أن القضايا تنتهي، ومن السجن أن الحرية أثمن مما نتخيل، ومن الحياة العامة أن الأوطان لا تبنى بالخصومات الدائمة. لكنها أيضًا لا تبنى بالصمت على الأخطاء. بل تبنى بالقدرة على النقد والإصلاح والتجديد.

ولهذا فإن هذا الباب لم يكن مرافعة ضد أحد، ولم يكن اتهامًا لمؤسسة بعينها، ولم يكن محاولة لتسجيل المواقف. كان دعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في العدالة بوصفها مشروعًا وطنيًا جامعًا.

مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 ليست فقط مصر الأقوى اقتصاديًا، ولا الأحدث عمرانيًا، ولا الأكثر تطورًا تكنولوجيًا.

مصر الممكنة هي مصر التي يشعر فيها المواطن أن القانون يحميه.

وأن الحرية ليست مخاطرة.

وأن الكرامة ليست امتيازًا.

وأن العدالة ليست حلمًا مؤجلًا.

هناك فقط يصبح الدستور حيًا.

وهناك فقط تصبح الديمقراطية ممكنة.

وهناك فقط تتحول الدولة من سلطة تحكم الناس إلى وطن يحتضنهم.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لكل ما كتبته في هذه السلسلة: أن العدالة ليست فصلًا في كتاب، بل هي الفكرة التي تجعل كل الفصول الأخرى ممكنة.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى