مقالات وآراء

د.حسن شايب يكتب: استشارية الأمن القومي السوداني

الناظر إلى حال البلاد يجد أنها تسير و تمضي بلا إتزان قرارات تصدر قبل أن يجف المداد الذي كتب بها يتم إلغاؤها الأسباب معلومة بالنسبة لدي كمتخصص في الدراسات الاستراتيجية أعزي ذلك لأسباب كثيرة منها غياب مجلس تشريعي منتخب يمارس سلطاته على الجهاز التنفيذي كما أن من أهم واجبات هذا المجلس هي المصادقة على الاتفاقيات و المعاهدات الدولية عدم وجوده خلق فراغ قانوني واسع هذا الفراغ تحول إلى بوابة دخل منها القرار الفردي باسم الدولة وخرجت منه اتفاقيات وشراكات حملت تبعات طويلة المدى دون أن يخضع أي منها لتمحيص مؤسسي حقيقي.
تجربة ما بعد الثورة قدمت النموذج الأوضح لخطورة هذا الوضع في تلك الفترة تولى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك مخاطبة الأمم المتحدة مباشرة لطلب إرسال بعثة أممية إلى البلاد متجاوزاً شريكه في الحكم المجلس العسكري آنذاك علته في ذلك أنها بعثة تساعد البلاد إلى الانتقال الديموقراطي السلس على حد قوله لكني أرى غير ذلك! هذه الخطوة فتحت الباب أمام تدخل ذي طابع سياسي وأمني واسع غاب البرلمان الذي يفترض أن يقرأ بنود التفويض وغابت آلية وطنية تراجع أهداف البعثة وآثارها على السيادة النتيجة كانت سلسلة تحركات داخل البعثة ذاتها أنتجت اصطفافات وخطابات عمقت الشرخ الداخلي ووفرت غطاء لتدخلات خارجية استثمرت هشاشة المشهد حتى وصلت البلاد إلى حرب مدمرة.
في تقديري أن أي دولة بلا مجلس تشريعي و فاعل و هذا مهم تصبح عرضة لتوقيع اتفاقيات تمس الاقتصاد والأمن والموارد والهوية دون أن يسبقها نقاش عام أو تقييم فني ثم تكتشف الدولة لاحقاً أن الكلفة السياسية والأمنية أكبر من المكسب المعلن لذلك كنت و مازلت و سأظل أنادي بإنشاء جسم وطني دائم يعنى بعناصر قوى الدولة الشاملة ألا وهو استشارية الأمن القومي السوداني فكرته بأن يكون هو منصة تفكر للدولة في ظل عجز و غياب أو تغييب للمجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي وصفه بأن يكون كياناً مركباً تتشابك فيه القوة السياسية مع الاقتصادية والعسكرية والإعلامية والاجتماعية والعلمية و التقنية.
تكون الاستشارية من نخبة أكاديمية وخبراء في مجالات محددة وفق معايير الكفاءة و الوطنية.
اقتصاديون يحللون أثر أي شراكة على الميزان التجاري والصناعة المحلية وسلاسل الإمداد عسكريون واستراتيجيون يقيسون انعكاساتها على الجاهزية والانتشار والحدود دبلوماسيون يفككون بنود المعاهدات ويقارنونها بالسوابق الدولية إعلاميون وباحثون اجتماعيون يرصدون كيف تنعكس على الرأي العام وعلى التماسك الداخلي خبراء قانون دولي يختبرون مدى تعارض النصوص مع الدستور ومع المصلحة الوطنية العليا.
تكون آلية العمل في الاستشارية بسيطة وصارمة أي اتفاقية أو شراكة داخلية أو خارجية لا تصبح نافذة إلا بعد مرورها على الاستشارية تمر الوثيقة أولاً إلى لجنة متخصصة داخل الجسم تجري قراءة تفصيلية لبنودها ثم تخضع لتحليل استراتيجي يربط بين الهدف المعلن والنتائج المحتملة على المدى القصير والمتوسط والبعيد بعد ذلك تصدر الاستشارية نتائج وتوصيات هذه التوصيات تكون ملزمة للوزراء والمسؤولين المعنيين لا مجال لتجاوزها بذريعة الاستعجال أو السرية لأن أي تجاوز يعني العودة إلى ذات الفراغ الذي أنتج أزمات سابقة.
الدور الرقابي هنا لا يلغي دور الحكومة إنما يضبطه، الوزير يظل صاحب المبادرة في التفاوض لكنه يعود إلى الاستشارية قبل التوقيع النهائي البرلمان حين يعود سيجد أمامه ملفات مدروسة وتحليلات جاهزة تسهل عمله وحتى ذلك الحين لا تبقى الدولة بلا بوصلة.
أهمية هذا الجسم تتضاعف في المرحلة الانتقالية و في ظل الحرب، القرارات الكبرى في هذه الظروف تتخذ بسرعة وتحت ضغط وهو ما يجعلها عرضة للإختراق من قوى خارجية أو للابتزاز أو للقراءة الخاطئة وجود جهة مستقلة تملك أدوات التحليل الاستراتيجي وتملك الوقت الكافي للمراجعة يقلل من احتمالات الوقوع في اتفاق يبدو تقنياً ولكنه يحمل في داخله التزاماً سياسياً أو تنازلاً أمنياً.
تجربة البعثة الأممية علمت أن غياب المراجعة يسمح بتمرير مفاهيم تحت عناوين الدعم الفني و المساعدة الإنسانية ثم تتحول إلى أدوات ضغط وتأطير للسياسة الداخلية لو كانت هناك استشارية للأمن القومي حينها لتم تفكيك طلب إرسال البعثة بنداً بنداً ولتم سؤال واضح ما حدود التفويض و من يمول و من يشرف و ما سقف التدخل وما الضمانات التي تمنع استغلال البعثة في إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد؟
نفس المنطق ينطبق على الشراكات الاقتصادية اتفاق مع شركة أجنبية للتنقيب أو للبنية التحتية قد يبدو استثماراً لكنه قد يتضمن بنود تحكيم دولي أو التزامات بيئية أو شروط عمالة تفرغ الدولة من قدرتها على التنظيم لاحقاً الاستشارية تضع هذه البنود تحت المجهر قبل أن تتحول إلى التزام دولي.
بلادنا تحتاج إلى مؤسسة تفكر لها و إلى عقل استراتيجي تفتقده الآن لذلك أعتقد جازماً أن استشارية الأمن القومي السوداني يمكن أن تكون هذه المؤسسة، تمنح متخذ القرار عمقاً تحليلياً وتمنح المواطن اطمئنانا بأن ما يوقع باسم الدولة قد خضع لعقول متعددة وليس لتقدير فردي.
حتى يعود مجلس تشريعي منتخب ويمارس كامل صلاحياته سيظل هذا الجسم هو السد الذي يمنع تكرار استغلال الفراغ بدونه سيبقى الباب مفتوحاً أمام أي رئيس وزراء أو وزير أو مبعوث أن يوقع ثم يبرر وحينها تدفع الدولة الثمن لسنوات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى