مقالات وآراء

حسن نافعة يكتب: إلى أين تفضي المحاولة الأميركية للسيطرة على مضيق هرمز؟


إيران تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية، مستفيدةً من صمودها العسكري وسيطرتها الميدانية لفرض مذكرة تفاهم لبّت معظم مطالبها.

كان مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة البحرية حين أقدمت الولايات المتحدة و«إسرائيل» على شنّ حرب مشتركة على إيران، في 28 شباط/فبراير من العام الحالي. ولأنها كانت حربًا شاملة استهدفت إسقاط النظام الحاكم وإخضاع الدولة والمجتمع الإيرانيين لهيمنة صهيوأميركية، بعكس حرب حزيران/يونيو من العام الماضي، التي اقتصرت أهدافها على تدمير برنامجي إيران النووي والصاروخي، فقد تعاملت معها إيران بوصفها تهديدًا وجوديًا يبرر لها استخدام كل ما لديها من وسائل لإدارة الصراع، ما يفسر قرارها إغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية على الفور، وللمرة الأولى في تاريخها.

توقف نجاح النظام الإيراني في استخدام مضيق هرمز أداةً في إدارة صراعه المزمن مع الولايات المتحدة و«إسرائيل» على أمرين أساسيين تمكّن من تحقيقهما بالفعل: الصمود في المواجهات العسكرية، من ناحية، والقدرة على السيطرة الميدانية على المضيق، من ناحية أخرى؛ فقد صمد في حرب غير متكافئة استمرت 39 يومًا، على الرغم مما تكبّده خلالها من خسائر جسيمة، وتمكّن من فرض سيطرته التامة على المضيق قبل توقف القتال وبعده، ما ساعده على التحكم في حركة الملاحة البحرية طوال فترة المفاوضات غير المباشرة، التي استمرت أكثر من شهرين.

ولأن الاقتصاد العالمي تكبّد، خلال فترة الإغلاق، خسائر فادحة، فقد اضطرت إدارة ترامب إلى التوقيع على «مذكرة تفاهم»، اعترف كثيرون بأنها تستجيب لمعظم المطالب الإيرانية.

«مذكرة تفاهم» لإدارة الصراع

يصعب تصور أن يكون النظام الإيراني قد قبل التخلي عن أهم أوراق الضغط التي يمسك بها، مقابل حصوله على بعض المزايا الفورية، كرفع الحصار البحري عن موانئه وإنهاء الحظر على بيع نفطه في الأسواق العالمية.

كما يصعب، في الوقت نفسه، تصور أن تكون إدارة ترامب قد أصبحت فجأة راغبة في التعايش مع نظام سعت إلى إسقاطه وقتلت مرشده الأعلى، لمجرد أنه تعهد بعدم تصنيع السلاح النووي أو الحصول عليه بأي وسيلة أخرى، خصوصًا أن هذا التعهد لا يعكس أي تغيير رسمي في سياسات نظام سبق لمرشده الأعلى أن أصدر فتوى بتحريم السلاح النووي.

لذا، فالأرجح أن يكون كلا الطرفين قد اضطرا إلى التوقيع على «مذكرة تفاهم» لأسباب تتعلق بالنهج المستخدم في إدارة الصراع، أكثر مما تتعلق بالحرص على تسويته، خصوصًا أن العلاقة بينهما كانت، وما تزال، تتسم بغياب مطلق للثقة.

وفي سياق كهذا، حرص النظام الإيراني على ترديد مقولة إن يده ستظل دومًا «على الزناد»، على الرغم من تأكيد التزامه التام بتنفيذ مذكرة التفاهم، لاعتقاده أن إدارة ترامب، التي لم تحترم تعهداتها في أي وقت، ستنتهز أول فرصة للتحلل من الالتزامات الواقعة على عاتقها بموجب هذه المذكرة.

وحرصت إدارة ترامب، من ناحيتها، على تكرار مقولة إنها حققت انتصارًا كاسحًا في حربها على إيران، وإنه لم يعد أمام النظام الحاكم فيها سوى الاستسلام لجميع شروطها، ما أوحى بأنها تنوي التشدد في تفسير بنود المذكرة، خصوصًا أنها تعرضت، بعد توقيعها، لضغط مزدوج من جانب «إسرائيل»، من ناحية، ومن جانب قوى متنوعة في الداخل الأميركي، من ناحية أخرى؛ فقد عارضت «إسرائيل» مذكرة التفاهم بصورة علنية، من منطلق أنها لا تلبي شروطها الرامية إلى التفكيك التام لبرنامج إيران النووي، والحد من برنامجها الصاروخي، وقطع علاقاتها التسليحية والتمويلية بوكلائها في المنطقة. أما قوى الداخل الأميركي، فقد عبّر كثير منها عن شكوكه في إمكان التوصل إلى اتفاق أفضل من الاتفاق الذي توصل إليه أوباما عام 2015، وانسحب منه ترامب عام 2018.

ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن تسعى إدارة ترامب إلى اختبار صلابة الموقف الإيراني، وأن تحاول، خلال فترة التفاوض على الاتفاق النهائي، انتزاع أهم الأوراق التي تمكّن من الإمساك بها، ألا وهي ورقة مضيق هرمز.

البند الخامس وإدارة مضيق هرمز

يعتقد بعض المراقبين أن سبب اندلاع المناوشات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران يعود إلى غموض في صياغة البند الخامس من مذكرة التفاهم، الذي ينظم إدارة المضيق خلال المرحلة الانتقالية، بدعوى أنه يحتمل تفسيرات مختلفة، وهو ادعاء غير صحيح.

النص الرسمي لهذا البند صيغ على النحو الآتي: «عند توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستقوم جمهورية إيران الإسلامية باتخاذ الترتيبات اللازمة، مع بذل أفضل جهودها، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يومًا فقط، من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس، وستبدأ حركة السفن التجارية فورًا، ومع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى إزالة العوائق التقنية والعسكرية وإزالة الألغام من قبل جمهورية إيران الإسلامية، فستتم إعادتها إلى وضعها الطبيعي خلال 30 يومًا. كما ستجري جمهورية إيران الإسلامية حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج العربي، بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية لمضيق هرمز».

ويلاحظ هنا أن إيران ذُكرت ثلاث مرات في هذا البند: الأولى لتأكيد مسؤوليتها عن «اتخاذ ما يلزم من ترتيبات لضمان المرور الآمن للسفن»، والثانية لحثها على «الدخول في حوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية لمضيق هرمز»، والثالثة لحثها على «إجراء نقاش مع الدول الأخرى المطلة على الخليج العربي لضمان أن تأتي هذه الترتيبات متسقة مع الحقوق السيادية للدول الساحلية لمضيق هرمز، بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به»، ما يؤكد انفراد إيران بإدارة المضيق خلال الفترة الانتقالية، وفقًا لأحكام القانون الدولي.

لو كانت إدارة ترامب حسنة النية حقًا، ولديها رغبة واضحة في تنفيذ ما ورد في مذكرة التفاهم نصًا وروحًا، لركزت اهتمامها، أولًا وقبل كل شيء، على كل ما من شأنه ضمان حرية الملاحة وتدفق التجارة الدولية عبر مضيق هرمز، من دون عوائق أو رسوم، بصرف النظر عن المسارات التي تسلكها السفن.

ولا شك في أن لإدارة ترامب كل الحق في الاعتراض على أي محاولة إيرانية لفرض سيطرتها المنفردة على مضيق هرمز بعد انتهاء الفترة الانتقالية الممتدة 60 يومًا، لكن ينبغي إثارة هذا الاعتراض خلال مفاوضات الاتفاق النهائي، ومن خلال الآليات واللجان المختصة، غير أنها اختارت العمل على فرض مسار جديد للسفن قرب الشواطئ العُمانية خلال الفترة الانتقالية، ما أثار شكوكًا مبررة لدى إيران بشأن وجود نية أميركية مبيّتة لانتزاع ورقة مضيق هرمز من يدها، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن لها استعادة أموالها المجمدة وإلغاء العقوبات المفروضة عليها منذ ما يقارب نصف قرن.

وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن إدارة ترامب لم تلتزم بما تعهدت به في البند الأول من مذكرة التفاهم، بشأن وجوب سريان وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وخصوصًا في لبنان، حين تعمدت رعاية مسار تفاوضي منفصل بين «إسرائيل» والدولة اللبنانية، يربط وقف إطلاق النار بنزع سلاح حزب الله، ثم ماطلت في الوفاء بما تعهدت به من رفع الحظر عن جانب من أموال إيران المجمدة، عبر محاولة إجبارها على استخدام هذه الأموال في شراء منتجات زراعية أميركية، يتبين لنا أنها لم تكن جادة مطلقًا في الوفاء بالتزاماتها، وتصرفت على أساس أن النظام الإيراني طرف مهزوم ينبغي أن يوقع، من دون قيد أو شرط، على كل ما يُطلب منه.

المضيق يعيد إشعال المواجهة

إن تسبب مضيق هرمز في عودة المناوشات المسلحة بين الولايات المتحدة وإيران، بكل ما تحمله هذه العودة من مخاطر، يوحي بأن الصراع الممتد بينهما منذ ما يقارب نصف قرن بات قابلًا للاختزال في السيطرة على هذا المضيق.

بعد إعلان إيران قرارها إغلاقه حتى إشعار آخر، سارع ترامب إلى الإدلاء بتصريح مفاده أن المضيق مفتوح أمام عبور السفن التجارية، وأن الولايات المتحدة ستشرف بنفسها على حرية الملاحة فيه، ما يعني اضطلاعها بمسؤولية تأمين السفن العابرة وحمايتها، لكن مقابل رسوم تعادل 20% من قيمة الحمولة.

ولأنه تصريح يثير الذهول، بصرف النظر عن مدى جديته أو قابليته للتطبيق، بسبب ما ينطوي عليه من قوة تحريضية، من ناحية، وما قد يترتب عليه من خلط شديد في الأوراق، من ناحية أخرى، فقد كان من الطبيعي أن يُحدث ارتباكًا شديدًا على مختلف الأصعدة، وخصوصًا الأمنية.

فبعض السفن المتعجلة لعبور المضيق قد تقع تحت إغراء الإبحار عبر المسار الذي أعلن ترامب أنه سيتولى حمايته، والمحاذي للشواطئ العُمانية، ما قد يعرّضها للاستهداف من جانب حرس الثورة الإسلامية، ويؤدي، بالتالي، إلى سكب مزيد من الزيت على النار المشتعلة في مختلف أنحاء المنطقة.

ولأن عودة الحرب الشاملة مرة أخرى قد تحدّ من قدرة اللاعبين المعنيين بالصراع على ضبط تفاعلاته أو التحكم في مساراته هذه المرة، وبالتالي قد تؤدي إلى انفلات الأمور واندلاع حرب إقليمية شاملة يكون العالم العربي الخاسر الأكبر فيها، تبدو المنطقة في طريقها نحو حافة هاوية سحيقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى